كِتاب يورانشيا في اللغة العربية - الورقة 100 : الدِين في التجربة الإنسانية

(UF-ARA-001-2007-1)



 تنزيلات © Urantia Foundation

كِتاب يورانشيا في اللغة العربية

الجزء الثالث: تاريخ يورانشيا

الورقة 100 : الدِين في التجربة الإنسانية



الورقة 100 : الدِين في التجربة الإنسانية

100:0.1 إن تجربة العيش الديني الفعال تحول الفرد المتوسط إلى شخصية ذات قدرة مُثلى. يُسعف الدِين إلى تقدم الجميع من خلال رعاية تقدم كل فرد, ويزداد تقدم كل فرد من خلال إنجاز الكل.

100:0.2 يُحفز النمو الروحي تبادلياً بارتباطات ودية مع متدينين آخرين. المحبة تزود التربة من أجل النمو الديني ـ إغراء هدفي في مكان الإرضاء الذاتي ـ ومع ذلك تنتج رضا ذاتياً أعلى. والدِين يُشـَّرْف العناء الإعتيادي للمعيشة اليومية.

1. النمو الديني

100:1.1 بينما يُنتج الدِين نمو معاني وتحسين قيم, الشر يحصل دائماً عندما تـُرفَع تقديرات شخصية بحتة إلى مستويات المطلقات. يُقيم الطفل التجربة وفقاً لمحتوى المتعة؛ النضوج تناسبي مع استبدال معاني أعلى في مقابل المسرة الشخصية, حتى ولاءات إلى أعلى مفاهيم مواقف الحياة المتنوعة والعلاقات الفلكية.

100:1.2 بعض الأشخاص مشغولون جداً لكي يكبروا وهم لذلك في خطر عظيم من التثبيت الروحي. يجب أن يتم تزويد لنمو المعاني في الأعمار المختلفة, وفي الثقافات المتعاقبة, وفي المراحل العابرة لمدنية تتقدم. مثبطات النمو الرئيسية هي التعصب والجهل.

100:1.3 أعطي كل ولد ناشئ فرصة لينمي تجربته الدينية الخاصة؛ لا تفرض تجربة بالغ جاهزة عليه. تذكّر, سنة بعد سنة من التقدم من خلال نظام تعليمي مؤسس لا يعني بالضرورة تقدم فكري, أقل بكثير نمو روحي. توسيع المفردات ليس دلالة على تطور الشخصية. في الحقيقة لا يُشار إلى النمو بمجرد النتاج بل بالأحرى بالتقدم. النمو التعليمي الحقيقي يدل عليه تعزيز المثل العليا, وزيادة تقدير القيَّم, ومعاني جديدة للقيَّم, وزيادة ولاء لقيم سامية.

100:1.4 الأولاد يتأثرون بشكل دائم بولاءات معاشريهم الراشدين فقط؛ المبدأ أو حتى المثال ليست ذات نفوذ دائم. الأشخاص الموالون هم أشخاص نامين, والنمو هو واقع مثير للإعجاب وملهم. عش بولاء اليوم ـ اكبر ـ والغد سيهتم بذاته. أسرع طريقة للشرغوف ليصبح ضفدعاً هي أن يعيش بإخلاص كل لحظة كشرغوف.

100:1.5 التربة اللازمة من أجل نمو ديني تفترض مسبقاً حياة تصاعدية ذات إدراك ذاتي, وتنسيق بين نزعات طبيعية, وممارسة الفضول والتمتع بمغامرة معقولة, واختبار مشاعر الرضا, وعمل محفزات الخوف من انتباه ووعي, وإغراء-التساؤل, ووعي طبيعي لصِغَر الحجم, وتواضع. النمو يستند أيضاً على اكتشاف للذات مُرافق بالنقد الذاتي ـ ضمير, لأن الضمير في الحقيقة نقد للذات بعادات-قيمة المرء الخاصة, مُثل شخصية.

100:1.6 تتأثر التجربة الدينية بوضوح بالصحة الجسمانية, والمزاج الموروث, والبيئة الإجتماعية. لكن تلك الظروف الزمنية لا تـُثبط التقدم الروحي الداخلي لنفس متفانية في فعل مشيئة الأب في السماء. يتواجد هناك في كل البشر الاعتياديين دوافع فطرية معينة تجاه نمو وإدراك ذاتي اللذان يعملان إذا لم يُكبتا على وجه التحديد. التقنية المعينة لرعاية هذه الموهبة التأسيسية لإمكانات النمو الروحي تكمن في الحفاظ على موقف من التفاني المخلص للقيم العليا.

100:1.7 لا يمكن إغداق الدِين, أو استلامه, أو استعارته, أو تعَّلمه, أو خسارته. إنه تجربة شخصية التي تنمو بشكل متناسب مع السعي المتزايد للقيم النهائية. وبالتالي يسهر النمو الفلكي على تراكم المعاني ورفع القيم الآخذة في التوسع باستمرار. لكن النـُبل ذاته هو دائماً نمو لا واعي.

100:1.8 العادات الدينية من تفكير وعمل هي مساهمة في إقتصاد النمو الروحي. يمكن للمرء أن يطور ميول دينية نحو رد فعل إيجابي للحوافز الروحية, نوع من رد الفعل الروحي المشروط. العادات التي تدعم النمو الديني تضم حساسية مُتعّهَدة للقيم الإلهية, الإعتراف بالمعيشة الدينية للآخرين, التدبر التأملي في المعاني الفلكية, حل المشاكل التعبدي, مشاركة الحياة الروحية للمرء مع زملاء المرء, تحاشي الأنانية, رفض الإفتراض على الرحمة الإلهية, العيش كما في حضور الله. قد تكون عوامل النمو الديني متعمدة, لكن النمو ذاته لا واعي بشكل غير قابل للتغيير.

100:1.9 على أن, الطبيعة اللا واعية للنمو الديني, ليست دلالة على أنها نشاط عامل في مجالات اللا وعي المفترضة للعقل البشري؛ بل هي دلالة على أنشطة إبداعية في المستويات الفائقة الوعي من العقل البشري. تجربة إدراك واقع النمو الديني اللا واعي هي البرهان الإيجابي الواحد على التواجد الوظيفي للوعي الفائق.

2. النمو الروحي

100:2.1 يتوقف التطور الروحي, أولاً, على صيانة علاقة روحية حية مع قوات روحانية حقيقية, وثانياً, على الحمل المستمر للثمر الروحي: منتجاً الإسعاف إلى زملاء المرء مما قد اُستلم من المتكرمين الروحيين على المرء. يستند التقدم الروحي على الإعتراف الفكري بالفقر الروحي مقرون بالوعي الذاتي لجوع من أجل الكمال, الرغبة في معرفة الله والكيان مثله, القصد من كل القلب لفعل مشيئة الأب في السماء.

100:2.2 يكون النمو الروحي أولاً يقظة إلى حاجات, تالياً تمييز لمعاني, وبعد ذلك اكتشاف لقيَّم. يتألف الإثبات للتطور الروحي الصحيح في العرض لشخصية إنسانية مدفوعة بالمحبة, ومفعلة بإسعاف غير أناني ومسيطر عليها بعبادة من كل القلب لكمال مُثل إلهية. وهذه التجربة برمتها تشكل حقيقة الدين كما يتناقض مع مجرد معتقدات لاهوتية.

100:2.3 يمكن للدِين التقدم إلى ذلك المستوى من الخبرة التي يصبح عليها أسلوباً مستنيراً وحكيماً لتفاعل روحي إلى الكون. هكذا دِين مُمجَد يمكن أن يعمل على ثلاثة مستويات من شخصية الإنسان: الفكري, والمورونشي, والروحي؛ على العقل, وفي النفـْس المتطورة, ومع الروح الساكن.

100:2.4 تصبح الروحانية في آن واحد المؤشر لقرابة المرء إلى الله والمقياس لمنفعة المرء إلى كائنات زملاء. الروحانية تعزز المقدرة لاكتشاف الجَمال في الأشياء, والتعرف على الصدق في المعاني, واكتشاف الخير في القيَّم. يُحدد التطور الروحي بالقدرة من هذا الغرض وهو تناسبي بشكل مباشر مع القضاء على الصفات الأنانية في الحب.

100:2.5 الحالة الروحانية الفعلية هي المقياس لإحراز الإله, دوزنة الضابط. إنجاز نهائية الروحانية يعادل تحقيق الحد الأقصى للواقع, أقصى التشبه بالله. الحياة الأبدية هي البحث الذي لا نهاية له لقيم لانهائية.

100:2.6 هدف إدراك الذات الإنسانية يجب أن يكون روحانياً, وليس مادياً. الحقائق الوحيدة التي تستحق السعي من أجلها هي إلهية, وروحانية, وأبدية. الإنسان البشري مُخول للإستمتاع بالمسرات الفيزيائية وإلى إرضاء العواطف الإنسانية: هو يستفيد من الولاء للجمعيات الإنسانية والمؤسسات الدنيوية؛ لكن تلك ليست الأسس الأبدية التي عليها لتـُبنى الشخصية الخالدة التي يجب أن تتجاوز الفضاء, وتقهر الزمان, وتحقق مصيراً أبدياً من الكمال الإلهي وخدمة النهائيين.

100:2.7 وصف يسوع اليقين المتعمق لبشري عارف الله عندما قال: "لعارف بالله مؤمن بالملكوت, ماذا يهم إذا تحطمت كل الأشياء الأرضية؟" الضمانات الدنيوية قابلة للعطب, لكن الكفالات الروحية حصينة. عندما يحوم مد فيضانات الشدائد الإنسانية, والأنانية, والقسوة, والكراهية, والحقد, والغيرة حول النفـْس البشرية, قد ترتاح في التوكيد بأن هناك حصن داخلي واحد, قلعة الروح, التي لا يمكن اقتحامها مطلقاً؛ على الأقل هذا صحيح لكل كائن إنساني كرس حفظ نفـْسه إلى الروح الساكن من الله الأبدي.

100:2.8 بعد هكذا إحراز روحي, سواء بضمان نمو تدريجي أو أزمة محددة, يحدث هناك توجيه جديد للشخصية بالإضافة إلى تطوير معايير جديدة للقيَّم. هكذا أفراد مولودين بالروح هم متجددي التحفيز في الحياة بحيث يمكنهم الوقوف بتأهب هادئيين بينما تفنى أعَّز طموحاتهم وتتحطم أحرص آمالهم؛ هم يعرفون إيجابياً بأن هكذا نكبات ليست سوى نوازل إعادة توجيه التي تحطم إبداعات المرء الدنيوية تمهيداً لرعاية الحقائق الأكثر نُبلاً وديمومة لمستوى جديد وأكثر سمواً للتحصيل الكوني.

3. مفاهيم ذات قيَّم سامية

100:3.1 ليس الدِين أسلوباً لأجل إحراز راحة بال ثابتة وسعيدة؛ إنه دافع لتنظيم النفـْس من أجل خدمة فعالة. إنه التجنيد لمجمل الذات في الخدمة المخلصة لمحبة الله وخدمة الإنسان. يدفع الدِين أي ثمن لازم لإحراز الهدف السامي, الجائزة الأبدية. هناك كمال تكريس في إخلاص ديني الذي هو متسامي بشكل رائع. وتلك الولاءات فعّالة اجتماعياً وتقدمية روحياً.

100:3.2 تصبح كلمة الله إلى المتدين رمزاً للدلالة على الإقتراب من حقيقة سامية وإدراك قيمة إلهية. ما يحبه الناس أو يكرهونه لا يحدد الخير والشر؛ القيَّم الأخلاقية لا تنموا من تحقيق رغبة أو إحباط عاطفي.

100:3.3 في تأمل القيّم يجب أن تميز بين ما هو قيمة وما لديه قيمة. يجب أن تلاحظ العلاقة بين نشاطات مُسرة وتكاملها الدلالي وإدراكها المُعزز على مستوياتً تجربة إنسانية تدريجياً أعلى وأعلى أبداً.

100:3.4 المعنى هو شيء ما تضيفه التجربة إلى القيمة؛ إنه الوعي المقدر للقيم. مسرة منعزلة وأنانية بحتة قد تفيد ضمناً بتخفيض فعلي للمعاني, تمتع بدون معنى يحاذي شر نسبي. تكون القيَّم تجريبية عندما تكون الحقائق ذات مغزى ومترابطة عقلياً, عندما يتم التعرف على مثل هذه العلاقات وتُقدر من قِبل العقل.

100:3.5 القيم لا يمكن أبداً أن تكون ثابتة؛ الواقع يدل على التغيير, النمو. التغيير دون نمو, التوسع في المعنى, وتمجيد القيمة, هو بلا قيمة - هو شر مُحتمَل. كلما زادت جودة التكيف الكوني, كلما امتلكت أي تجربة معنى أكثر. ليست القيَّم أوهام مفاهيمية؛ إنها حقيقية, لكنها تعتمد دائماً على واقع العلاقات. القيَّم هي دائماً على حد سواء فعلية واحتمالية ـ ليس ما كان, بل ما هو كائن وسوف يكون.

100:3.6 ارتباط الفعليات والإمكانات يساوي النمو, الإدراك التجريبي للقيم. لكن النمو ليس مجرد تقدم. التقدم دائماً ذا معنى, لكنه عديم القيمة نسبياً بدون النمو. القيمة العليا لحياة الإنسان تتمثل في نمو القيم والتقدم في المعاني, وإدراك الترابط الكوني من كلا هذه التجارب. وهكذا خبرة هي المعادل لوعي-إلهي. هكذا بشر بينما ليس خارقاً, يصبح في الحقيقة فائقاً عن الإنساني؛ نفـْس خالدة تتطور.

100:3.7 الإنسان لا يمكنه أن يُسبب النمو, (لكن يمكنه توفير الظروف المؤاتية. النمو دائماً غير واعي, إن كان فيزيائي, أو فكري, أو روحي. هكذا تنمو المحبة؛ لا يمكن خلقها, أو صناعتها, أو شراؤها؛ يجب أن تنمو. التطور هو تقنية فلكية للنمو. لا يمكن تأمين النمو الإجتماعي بالتشريع, ولا يُحَّصل النمو الأخلاقي بإدارة محَّسَنة. الإنسان قد يصنع آلة, لكن قيمتها الحقيقية ينبغي استخلاصها من الثقافة الإنسانية والتقدير الشخصي. مساهمة الإنسان الوحيدة في النمو هي التعبئة لإجمالي قدرات شخصيته ـ إيمان حي.

4. مشاكل النمو

100:4.1 المعيشة الدينية معيشة مكرسة, والمعيشة المكرسة معيشة خّلاقة, أصلية وتلقائية. تنشأ الرؤى الدينية الجديدة من الصراعات التي تُبادر الاختيار لعادات ردود فعل جديدة وأفضل في مكان نماذج ردود فعل قديمة وأقل شأناً. المعاني الجديدة تبرز فقط وسط صراع؛ ويستمر الصراع فقط في مواجهة رفض اعتناق القيَّم الأعلى المدلول عليها في معاني فائقة.

100:4.2 التعقيدات الدينية لا مفر منها؛ لا يمكن أن يكون هناك نمو بدون صراع نفسي واضطراب روحي. تنظيم مستوى فلسفي للمعيشة يستلزم هياج جدير بالإعتبار في العوالم الفلسفية للعقل. لا تـُمارَس الولاءات في مصلحة العظيم, والصالح, والصحيح, والنبيل دون مقاومة. الجهد ملازم على توضيح الرؤية الروحية وتعزيز البصيرة الفلكية. والفكر الإنساني يحتج ضد كونه مفطوم من الإقتيات على الطاقات الغير روحية لوجود مؤقت. يتمرد عقل الحيوان الكسول على الجهد المطلوب للمصارعة مع حل مشاكل فلكية.

100:4.3 لكن المشكلة الكبيرة للعيش الديني تتألف في مهمة توحيد قدرات النفـْس للشخصية بسيطرة المحبة. الصحة, والفعالية العقلية, والسعادة تنشأ عن توحيد أنظمة فيزيائية وأنظمة عقلية وأنظمة روحية. يفهم الإنسان الكثير عن الصحة والنظافة, لكن عن السعادة هو في الحقيقة قد أدرك القليل جداً. ترتبط أعلى السعادة بدون انفصام مع التقدم الروحي. النمو الروحي ينتج فرحاً دائماً, سلاماً يتجاوز كل فهم.

100:4.4 في الحياة المادية تخبر الحواس عن وجود أشياء؛ يكتشف العقل واقع المعاني؛ لكن الخبرة الروحية تكشف للفرد القيَّم الصحيحة للحياة. تلك المستويات العالية من معيشة الإنسان تـُنال في محبة الله السامية وفي محبة الإنسان الغير أنانية. إذا كنت تحب زملاءك الناس, لا بد أنك قد اكتشفت قيَّمهم. يسوع أحب الناس كثيراً جداً لأنه وضع قيمة عالية جدا عليهم. يمكنك اكتشاف القيَّم في زملائك بشكل أفضل باكتشاف دوافعهم. إذا أحد ما أغاظك, مسبباً مشاعر من الاستياء, يجب أن تبحث بود لتدرك وجهة نظره, أسبابه من أجل هكذا تصرف غير مقبول. إذا بمجرد فهم جارك, ستصبح متسامحاً, وهذا التسامح سينمو نحو صداقة وينضج نحو محبة.

100:4.5 في عين العقل استحضر صورة لأحد أسلافك البدائيين من أوقات سكن الكهوف ـ قصير, سيء الشكل, قذر, رجل كبير الجسم مزمجر يقف على أرجل متباعدة, رافع هراوة, يتنفس كرهاً وبغضاء بينما ينظر بشراسة أمامه بالضبط. تلك الصورة بالكاد ترسم كرامة الإنسان الإلهية. لكن اسمح لنا بتكبير الصورة. أمام هذا الإنسان المتحرك يجثم نمر مُسنن الأسنان. ووراءه امرأة وطفلان. ستدرك في الحال بأن تلك الصورة تقف على بدايات الكثير مما هو رفيع ونبيل في الجنس الإنساني, لكن الإنسان هو ذاته في كِلا الصورتين. فقط في الرسم الثاني لديك حظوة بأفق موسع. أنت فيه تدرك الدافع لهذا البشري المتطور. أصبح موقفه مستحق الثناء لأنك تفهمه. إذا أمكنك فقط سبر دوافع أقرانك, كم أفضل بكثير ستفهمهم. إذا أمكنك فقط معرفة زملاءك, في النهاية ستقع في حُبهم.

100:4.6 لا يمكنك في الحقيقة أن تحب زملاءك بمجرد فعل الإرادة. تولد المحبة فقط من تفهم نافذ لدوافع ووجدان جارك. ليس مهم للغاية أن تحب كل الناس اليوم كما هو أن تتعلم كل يوم محبة كائن إنساني آخر. إذا كل يوم أو كل أسبوع تنجز تفهماً لواحد آخر من زملائك, وإذا كانت هذه حدود مقدرتك, عندئذٍ أنت بالتأكيد تمارس الحياة الإجتماعية وحقاً تزيد روحاً لشخصيتك. المحبة مُعدية, وعندما يكون الإخلاص الإنساني ذكي وحكيم, المحبة مغرية أكثر من الكراهية. لكن فقط المحبة الأصلية والغير أنانية هي حقاً مُعدية. لو أن كل بشري يمكنه فقط أن يصبح مركز عاطفي فاعل, هذا اﻟﭭيروس الحميد للمحبة سيسود قريباً مجرى المشاعر العاطفية للإنسانية إلى ذلك المدى بحيث ستكون كل المدنية مشمولة بالمحبة, وذلك سيكون التحقيق لأخوية الإنسان.

5. اهتداء وباطنية

100:5.1 العالم مملوء بالنفوس الضائعة, ليست ضائعة في المغزى اللاهوتي لكنها ضائعة في المعنى التوجيهي, متجولة في ارتباك بين مذاهب وطوائف عصر فلسفي مُحبط. قليلون جداً قد تعلموا كيف يثبتون فلسفة حياة في مكان السُلطة الدينية. الرموز لدِين إجتماعي ليست لتُزدرى كقنوات للنمو, ولو إن قاع النهر ليس النهر.

100:5.2 تطور النمو الديني يقود من الركود خلال التناقض إلى التناسق, من عدم الإستقرار إلى إيمان لا شك فيه, من ارتباك وعي فلكي إلى توحيد للشخصية, من الهدف الزائل إلى الأبدي, ومن عبودية الخوف إلى حرية البنوة الإلهية.

100:5.3 يجب أن يُجعل واضحاً بأن إقرارات الولاء إلى المُثل السامية ـ الصحوة النفسية والعاطفية والروحية لوعي الله ـ قد تكون نمواً طبيعياً وتدريجياً أو أحياناً قد تُختبَر عند ظروف معينة, كما في أزمة. اختبر الرسول بولس تماماً هكذا اهتداء مفاجئ ومذهل عند ذلك اليوم الزاخر بالأحداث على طريق دمشق. كانت لدى غوتاما سيدهارثا تجربة مماثلة في الليلة عندما جلس وحده وسعى إلى اختراق سر الحقيقة النهائية. كانت لدى كثيرون آخرون تجارب مماثلة, ولقد تقدم مؤمنون صادقون كثيرون في الروح بدون اهتداء مفاجئ.

100:5.4 معظم الظواهر المدهشة المرتبطة بالمدعوة تحولات دينية هي كلياً نفسانية بالطبيعة, لكن كل حين وآخر تحدث هناك تجارب هي كذلك روحية في الأصل. عندما تكون التعبئة العقلية متكاملة كلياً على أي مستوى من المدى العقلي تجاه إحراز الروح, عندما يوجد هناك كمال للحافز الإنساني من الإخلاص إلى الفكرة الإلهية, عندئذٍ غالباً جداً يحدث هناك إدراك-أدنى مفاجئ للروح الساكن ليتزامن مع الهدف المكثف والمكرس للعقل الفائق عن الوعي للبشري المؤمن. وإنها هكذا تجارب من الظواهر الفكرية والروحية الموحدة التي تشكل الإهتداء الذي يتمثل في عوامل على وفوق التدخلات النفسانية البحتة.

100:5.5 لكن العاطفة وحدها هي اهتداء زائف؛ يجب أن يكون لدى المرء إيمان بالإضافة إلى العاطفة. إلى الدرجة التي تكون فيها هكذا تعبئة نفسية جزئية, وإلى حد ما هكذا دافع ولاء-إنساني يكون غير تام, لتلك الدرجة ستكون تجربة الإهتداء واقعاً فكرياُ, وعاطفياً, وروحياً.

100:5.6 إذا عزم امرؤٍ أن يتعرف على عقل لا واعٍ نظرياً كفرضية عاملة عملياً في حياة سوى ذلك فكرية موحدة, عندئذٍ, ليكون ثابتاً على مبدأً, يجب على المرء أن يفترض حيزاً مشابهاً ومتطابقاً من النشاط الفكري المتصاعد كالمستوى الفائق الوعي, نطاق الإتصال المباشر مع كينونة الروح الساكن, ضابط الفكر. الخطر الكبير في كل تلك التأملات النفسية هو أن الرؤى وأخرى التي تسمى تجارب باطنية, سوية مع أحلام استثنائية, قد تُعتبر كاتصالات إلهية إلى العقل الإنساني. في أزمنة ماضية, كشفت كائنات إلهية ذاتها إلى أشخاص معينين عارفين الله, ليس بسبب غيبوبتهم الباطنية أو رؤاهم المهووسة, لكن على الرغم من كل تلك الظواهر.

100:5.7 على النقيض من السعي-للإهتداء, الإقتراب الأفضل إلى مناطق المورونشيا لاتصال ممكن مع ضابط الفكر سيكون من خلال الإيمان الحي والعبادة المخلصة, صلاة من كل القلب وبلا أنانية. إجمالاً الكثير جداً من اندفاع الذكريات من المستويات اللا واعية للعقل الإنساني قد أُخذت على محمل الخطأ على أنها كشوف إلهية وتوجيهات روحية.

100:5.8 هناك خطر عظيم مرتبط بالممارسة المعتادة لأحلام اليقظة الدينية؛ قد تصبح الباطنية تقنية لتجنب الواقع, ولو إنها كانت أحياناً وسيلة للتواصل الروحي الحقيقي. فصول قصيرة من الإعتزال من مشاهد الحياة المشغولة قد لا تكون خطرة جدياً, لكن العُزلة المطولة للشخصية غير مرغوب فيها بشكل كبير. تحت ولا أي ظرف ينبغي تعهُد حالة شبه الغفوة لوعي الرؤى كتجربة دينية.

100:5.9 خصائص الحالة الباطنية هي نشر للوعي بجزر مشرقة من انتباه مركزي تعمل على فكر سلبي نسبياً. كل هذا يجذب الوعي تجاه العقل الباطن عوضاً عن اتجاه منطقة الإتصال الروحي, الفائق عن الوعي. باطنيون كثيرون قد حملوا انفصالهم العقلي إلى مستوى تجليات عقلية غير طبيعية.

100:5.10 الموقف الأكثر صحة من التأمل الروحي يمكن العثور عليه في العبادة التأملية وفي صلاة الشكر. التواصل المباشر مع ضابط فكر المرء, على غرار ما حدث في السنوات الأخيرة من حياة يسوع في الجسد, لا يجب الخلط بينها وبين تلك المسماة تجارب باطنية. العوامل التي تساهم في الشروع بالتواصل الباطني تدل على خطورة هكذا حالات نفسية. الحالة الباطنية تُساند بهكذا أشياء مثل: التعب الجسدي, الصوم, التفكك النفسي, التجارب الجمالية العميقة, الدوافع الجنسية الناشطة, الخوف, القلق, الغضب, والرقص البري. الكثير من المواد التي تنشأ نتيجة لمثل هذا التحضير الأولي لها مصدرها في العقل الباطن.

100:5.11 مهما قد كانت الظروف للظواهر الباطنية مؤاتية, يجب أن يُفهم بوضوح بأن يسوع الناصري لم يلجأ أبداً إلى مثل هذه الأساليب من أجل التواصل مع الأب الفردوسي. لم يكن لدى يسوع خداع دون الوعي أو أوهام الفائق عن الوعي.

6. علامات المعيشة الدينية

100:6.1 الأديان التطورية وأديان الوحي قد تختلف بوضوح في الأسلوب. لكن في الدافع هناك تشابه كبير. ليس الدِين دور محدد من الحياة, إنما أسلوب معيشة. الدِين الصحيح هو تفاني من كل القلب إلى حقيقة ما يرتئي المتدين أنها ذات قيمة سامية لذاته وللبشرية جمعاء. والخصائص البارزة لكل الأديان هي: الولاء غير المشروط والتفاني المخلص للقيم العليا. هذا الولاء الديني إلى القيم السامية مبين في العلاقة المفترضة لأم غير متدينة إلى طفلها وفي الولاء الغيور لغير المتدينين إلى قضية مُعتنقة.

100:6.2 القيمة السامية المقبولة للمتدين قد تكون رديئة أو حتى خاطئة, لكنها مع ذلك دينية. الدِين أصيل فقط إلى المدى أن القيمة التي عُقدت على أنها السامية هي في الحقيقة واقع فلكي ذو استحقاق روحاني أصيل.

100:6.3 علامات استجابة الإنسان إلى الدافع الديني تضم صفات النُبل والعظمة. المتدين المخلص واعي لمواطنية الكون ومدرك لإجراء اتصال مع مصادر قدرة فوق طاقة الإنسان. هو مُثار ومنشط بتأكيد الانتماء إلى زمالة متفوقة ومُشـَّرفة لأبناء الله. وعي استحقاق الذات أصبح مُكبراً بحافز البحث عن أعلى أهداف الكون - الأهداف العُليا.

100:6.4 قد استسلمت الذات إلى القيادة المثيرة للإهتمام لحافز يشمل الكل الذي يفرض الإنضباط الذاتي المتزايد, ويقلل الصراع العاطفي, ويجعل الحياة البشرية حقاً مستحقة العيش. يتم تغيير الإعتراف المرضي بالقيود البشرية إلى الوعي الطبيعي بأوجه القصور البشرية, مُتحداً مع العزم الأخلاقي والطموح الروحي لنيل أعلى أهداف الكون والكون العظيم. وهذا السعي المُكثف من أجل إحراز مُثُل بشرية فائقة يتميز دائماً بصبر متزايد, وتسامح, وجلد, وحُلُم.

100:6.5 لكن الدِين الحقيقي هو محبة حية, حياة من الخدمة. إن انفصال المتدينين من الكثير مما هو مؤقت وعديم الأهمية على نحو مجرد لا يؤدي أبداً إلى العزلة الإجتماعية, وينبغي أن لا يدمر حاسة الفكاهة. الدِين الأصيل لا يأخذ شيئاً من الوجود الإنساني, ولكنه يُضيف معاني جديدة إلى كل الحياة؛ إنه يوَّلد أشكالاً جديدة من الغيرة, والحماس, والشجاعة. بل إنه قد يُولد روح الصليبية, التي هي أكثر من خطيرة إذا لم يُسيطر عليها ببصيرة روحية وإخلاص موالي للإلتزامات الإجتماعية المألوفة للولاءات الإنسانية.

100:6.6 إحدى العلامات المميزة الأكثر دهشة للعيش الديني هي ذلك السلام الفعال والسامي, ذلك السلام الذي يتجاوز كل تفهم إنساني, ذلك التوازن الفلكي الذي يدل على غياب كل شك واضطراب. هكذا مستويات من الإستقرار الروحي مُحصنة ضد خيبة الأمل. هكذا متدينون هم مثل الرسول بولس, الذي قال: "أنا مقتنع أنه لا موت, ولا حياة, ولا ملائكة, ولا إمارات, ولا قدرات, ولا أشياء حاضرة, ولا أشياء لتأتي, ولا علو, ولا عمق, ولا أي شيء آخر سيكون قادراً على فصلنا من محبة الله".

100:6.7 هناك شعور بالأمن, مرتبط بتحقيق المجد المنتصر, متوطن في وعي المتدين الذي أدرك حقيقة الأسمى, والذي يتعقب هدف المنتهى.

100:6.8 حتى الدِين التطوري هو كل هذا في ولاء وعظمة لأنه تجربة أصيلة. لكن الدين الموحى متفوق بالإضافة إلى كونه أصيل. الولاءات الجديدة لرؤية روحية موَّسعة تخلق مستويات جديدة من المحبة والإخلاص, من الخدمة والزمالة؛ وكل هذه النظرة الإجتماعية المُعززة تنتج وعياً موَّسعاً لأبوة الله وأخوية الإنسان.

100:6.9 الصفة المميزة الفارقة بين دين التطور والوحي هي خاصية جديدة من الحكمة الإلهية تـُضاف إلى حكمة الإنسان التجريبية البحتة. لكنها التجربة في ومع الأديان الإنسانية التي تطور القدرة من أجل استلام لاحق لمغدقات متزايدة من الحكمة الإلهية والبصيرة الفلكية.

7. ذروة العيش الديني

100:7.1 مع أن البشري المتوسط من يورانشيا لا يمكنه أن يأمل تحقيق كمال الطبع العالي الذي اكتسبه يسوع الناصري بينما مكث في الجسد, إنه من الممكن تماماً لكل مؤمن بشري أن يطور شخصية قوية وموَّحَدة على غِرار الخطوط المثالية لشخصية يسوع. الميزة الفريدة لشخصية السيد لم تكن كثيراً كمالها كما كانت تناسقها, بتوحيدها الرائع والمتوازن. تألف التقديم الأكثر فعالية ليسوع في الإقتداء بالذي قال, عندما أومأ نحو السيد الواقف أمام متهميه, "انظروا الإنسان"!

100:7.2 اللطف الذي لا ينضب ليسوع مس قلوب الناس, لكن قوة طبعه الراسخة أدهشت أتباعه. كان مُخلِصاً حقاً؛ لم يكن هناك شيء من المراءاة فيه. كان حراً من التصنع؛ كان دائماً حقيقياً بشكل مُنعش للغاية. لم ينحني أبداً للتظاهُر, ولم يلجأ أبداً إلى التزييف. عاش الحقيقة, حتى بينما علـَّمها. هو كان الحقيقة. كان مُلزماً ليعلن حقيقة مُنقِذة إلى جيله, على الرغم من أن هكذا إخلاص أحياناً تسبب بالألم. كان بلا جدال مُخلصاً إلى كل الحقيقة.

100:7.3 لكن السيد كان منطقياً جداً, وممكن الاقتراب إليه جداً, كان عملياً جداً في كل إسعافاته, في حين اتسمت جميع خططه بفطرة سليمة مُطهرة للغاية. كان حراً للغاية من كل ميول نزوائية, وضالة, ومنحرفة عن المسار. لم يكن أبداً مُتقلباً, أو غريب الأطوار, أو هستيرياً. في كل تعليمه وفي كل شيء فعله كان هناك دائماً تمييز رائع مرتبط مع حاسة استقامة فوق العادة.

100:7.4 كان ابن الإنسان دائماً شخصية حسنة التوازن. حتى أعداءه حافظوا على احترام متكامل من أجله؛ هم حتى خافوا حضوره. كان يسوع غير خائف. كان مُثقلاً بحماس إلهي, لكنه لم يصبح متعصباً. كان نشيطاً عاطفياً إنما ليس طائشاً أبداً. كان واسع الخيال لكن دائماً عملياً. واجَهَ بصراحة حقائق الحياة, لكنه لم يكن أبداً غير واضح أو ركيك. كان شجاعاً إنما ليس طائشاً؛ حَذراً لكن ليس أبداً بجُبن. كان متعاطفاً إنما ليس انفعالياً؛ فريداً من نوعه لكن ليس غريب الأطوار. كان تقياً لكن ليس مُتظاهراً بالورع. وكان حسن الإستعداد لأنه كان مُوَّحَداً بكمال للغاية.

100:7.5 كانت أصالة يسوع غير مكبوتة. لم يكن مقيداً بتقاليد أو معاقاً باستعباد إلى اصطلاحية ضيقة. تكلم بثقة لا شك فيها وعلـَّم بسُلطة مُطلقة. لكن أصالته الرائعة لم تسبب له التغاضي عن جواهر الحقيقة في تعاليم سابقيه ومعاصريه. والأكثر أصالةً في تعاليمه كان التشديد على المحبة والرحمة في مكان الخوف والتضحية.

100:7.6 كان يسوع واسع الصدر في الاستشراف. حض أتباعه ليعظوا الإنجيل إلى كل الشعوب. كان حراً من كل ضيق أفق. عانق قلبه المتعاطف كل جنس الإنسان, حتى الكون. دائماً كانت دعوته, "كل من شاء فليأتِ".

100:7.7 عن يسوع حقاً قيل, "هو وثق بالله". كإنسان بين الناس وثق بالأب في السماء بسمو عظيم. وثق بأبيه كما يثق طفل صغير بأبويه الأرضيين. كان إيمانه مثالياً لكن ليس أبداً متجرئاً. بغض النظر كم قد تبدو الطبيعة قاسية أو كم غير مبالية بخير الإنسان على الأرض, لم يتعثر يسوع في إيمانه. كان حصيناً ضد خيبة الأمل ومنيعاً ضد الإضطهاد. كان غير متأثر بالفشل الظاهري.

100:7.8 أحبَ الناس كإخوته, عند ذات الوقت مُدركاً كيف اختلفوا في المواهب الفطرية والصفات المكتسبة. "هو جال يصنع خيراً".

100:7.9 كان يسوع شخصاُ مرحاً بشكل غير عادي, لكنه لم يكن متفائلاً بعمى وغير معقولية. كانت كلمته الثابتة للوعظ, "كن جيد التشجيع". كان يمكنه المحافظة على هذا الموقف الواثق بسبب ثقته الراسخة في الله وثقته الغير متزعزعة في الإنسان. كان دائماً مراعياً للشعور بشكل مؤثر مع كل الناس لأنه أحبهم وآمن فيهم. لا يزال كان دائماً وفياً لقناعاته وثابتاً بشكل رائع في تفانيه لفعل مشيئة أبيه.

100:7.10 كان السيد كريماً دائماً. أبداً لم يكل من القول, "مبارك العطاء أكثر من الأخذ". هو قال, "مجاناً استلمتم, مجاناً أُعطوا". وحتى, مع كل كَرَمه الغير محدود, لم يكن أبداً مُسرفاً أو مبذراً. علـَّم بأنك يجب أن تؤمن لتحصل على الخلاص. "لأن كل من يبحث سيستلم".

100:7.11 كان صريحاً, لكن دائماً حنوناً. قال, إذا لم يكن هكذا, كنت قد أخبرتكم". كان صريحاً, إنما دائماً بود. كان صريحاً في محبته للخاطئ وفي كراهيته للخطيئة. لكن في أثناء كل هذه الصراحة المدهشة كان مُنصفاً بدون خطأ.

100:7.12 كان يسوع مُبتهجاً على الدوام, بالرغم من أنه شرب أحياناً بعمق من كأس الحزن الإنساني. واجَه بدون خوف حقائق الوجود, مع ذلك كان مملوءً بالحماس من أجل إنجيل الملكوت. لكنه تحكم بحماسه؛ حماسه لم يتحكم به أبداً. كان مكَّرَساً بدون تحفظ إلى "عمل الأب". هذا الحماس الإلهي قاد إخوانه الغير روحيين للإعتقاد بأنه معتوه, لكن الكون المتطلع اعتد به كمثال لصحة العقل ونموذجاً للتفاني البشري السامي إلى المستويات العليا لمعيشة روحية. وحماسه المتحكم به كان مُعدياً؛ كان زملاءه مُقيدين في مشاركة تفاؤله الإلهي.

100:7.13 هذا الرجل من الجليل لم يكن إنسان حزن؛ كان نفـْس من السرور. كان دائماً يقول, "افرحوا وكونوا مسرورين إلى حد بعيد". لكن عندما تطلب الواجب, كان مستعداً للمشي بشجاعة خلال "وادي ظل الموت". كان مُبهجاً لكن عند ذات الوقت متواضعاً.

100:7.14 كانت شجاعته مُعادلة فقط لصبره. عندما ُضغط عليه للتصرف قبل الأوان, كان يجيب فقط, "ساعتي لم تأتِ بعد". لم يكن أبداً على عجلة؛ كانت رباطة جأشه سامية. لكنه كان غالباً ساخطاً على الشر, وقليل الإحتمال للخطيئة. وكثيراً ما تحرك بقوة لمقاومة ما كان مُعادياً لرفاهية أولاده على الأرض. لكن سخطه ضد الخطيئة لم يقوده أبداً إلى الغضب على الخاطئ.

100:7.15 كانت شجاعته عظيمة, لكنه لم يكن أبداً متهوراً. كان شعاره, "لا تخف". كانت بسالته شامخة وشجاعته غالباً بطولية. لكن شجاعته كانت مرتبطة مع الرُشد والتحكم بالعقل. كانت شجاعة مولودة من الإيمان, وليست مجازفة افتراض أعمى. كان شجاعاً حقاً لكن ليس أبداً متهوراً.

100:7.16 كان السيد نموذجاً للوقار. بدأت الصلاة حتى في شبابه, "أبانا الذي في السماء, ليتقدس اسمك". كان حتى مُحترماً لعبادة زملائه الخاطئة. لكن هذا لم يمنعه من جعل هجمات على تقاليد دينية أو أخطاء معتدية من الإعتقاد الإنساني. كان موَّقِراً للقداسة الحقيقية, ومع ذلك كان يمكنه الإلتماس بعدل إلى زملائه, قائلاً, "من منكم يُدينني بخطيئة؟"

100:7.17 كان يسوع عظيماً لأنه كان صالحاً, ومع ذلك تآخى مع الأولاد الصغار. كان لطيفاً ومتواضعاً في حياته الشخصية, ومع ذلك كان الرجل المثالي للكون. دعاه زملاؤه دون طلب السيد.

100:7.18 كان يسوع الشخصية الإنسانية الموحدة بكمال. واليوم, كما في الجليل, يستمر في توحيد التجربة البشرية وتنسيق المساعي الإنسانية. إنه يوَّحد الحياة, ويشـَّرف الشخصية, ويبَّسط التجربة. يدخل العقل الإنساني لرفعه, وتحويله, وتجليته. إنه حرفياً صحيح: "إذا أي إنسان لديه يسوع المسيح داخله, فهو مخلوق جديد؛ الأشياء القديمة تمر بعيداً؛ أنظر, كل الأشياء تصبح جديدة".

100:7.19 [ قـُدِّمت بملكيصادق لنِبادون.] 15/6/2016





Back to Top