كِتاب يورانشيا في اللغة العربية - الورقة 97 : تطور المفهوم عن الله بين العبرانيين

(UF-ARA-001-2007-1)



 تنزيلات © Urantia Foundation

كِتاب يورانشيا في اللغة العربية

الجزء الثالث: تاريخ يورانشيا

الورقة 97 : تطور المفهوم عن الله بين العبرانيين



الورقة 97 : تطور المفهوم عن الله بين العبرانيين

97:0.1 قام قادة العبرانيين الروحيين بما لم ينجح آخرون في القيام به قبلهم ـ نزعوا مفهوم تشبيه الله بالإنسان دون تحويله نحو تجريد للإله مُستوعَب فقط بواسطة الفلاسفة. حتى عامة الشعب كانوا قادرين على اعتبار المفهوم الناضج عن يهوه كأب, إن لم يكن للفرد, على الأقل للسلالة.

97:0.2 المفهوم عن شخصية الله, بينما عُّلِم بوضوح عند شاليم في أيام ملكيصادق, كان مُبهماً وملتبساً عند وقت الفرار من مصر وتطور فقط تدريجياً في العقل العبراني من جيل إلى جيل في تجاوب مع تعاليم القادة الروحيين. كان الإدراك لشخصية يهوه مستمراً في تطوره التقدمي أكثر بكثير من السجايا الأخرى الكثيرة للإله. من موسى إلى ملاخي حدث هناك نمو مثالي تقريباً غير منقطع لشخصية الله في العقل العبراني, وهذا المفهوم برز بالنتيجة وتمجد بتعاليم يسوع عن الأب في السماء.

1. صموئيل ـ أول أنبياء العبرانيين

97:1.1 الضغط المعادي من الشعوب المجاورة في فلسطين عاجلا علـَّم الشيوخ العبرانيين أنهم لا يستطيعون أن يأملوا في البقاء إلا إذا وحَّدوا تنظيمهم القبائلي في حكومة مركزية. وهذه المركزية للسلطة الإدارية منحت صموئيل فرصة أفضل ليعمل كمعلم وكمُصلح.

97:1.2 برز صموئيل من خط طويل من معلمي شاليم الذين استمروا في الحفاظ على حقائق ملكيصادق كجزء من أشكال عبادتهم. كان هذا المعلم رجلاً شجاعاً وحازماً. تفانيه العظيم فقط, مزدوج مع إصراره الإستثنائي, مكنه من الصمود أمام المعارضة الشاملة تقريباً التي واجهته عندما بدأ بتحويل كل إسرائيل رجوعاً إلى عبادة يهوه السامي من الأوقات الموسوية. وحتى حينذاك كان ناجحاً جزئياً فقط؛ استعاد إلى خدمة المفهوم الأعلى عن يهوه نصف العبرانيين الأكثر ذكاء فقط؛ استمر النصف الآخر في عبادة الآلهة القبائلية للبلاد وفي المفهوم العامي عن يهوه.

97:1.3 كان صموئيل رجلاً من النوع الفظ والمتحفز, مُصَّلح عملي قد يخرج في أحد الأيام مع زملائه ويقلب عشرة من مواقع بعل. كان التقدم الذي أحرزه بمحض قوة الإكراه؛ هو وعظ القليل, وعلـَّم الأقل, لكنه عمِل. كان في أحد الأيام يستهزئ بكاهن البعل؛ وفي اليوم التالي, يُقَطِع إرباً ملك أسير. اعتقد بتفانٍ في الله الواحد, وكان لديه مفهوم واضح عن ذلك الله الواحد كخالق للسماء والأرض: "أعمدة الأرض هي للرب, وهو قد وضع العالَم عليها".

97:1.4 لكن الإسهام الكبير الذي جعله صموئيل في تطور المفهوم عن الإله كان إعلانه الرنان بأن يهوه عديم التغيير, متجسم إلى الأبد ذات الكمال والألوهية الغير مخطئين. كان يهوه في تلك الأوقات مفهوماً على أنه إله متقلب ذا أهواء غيورة, دائماً نادم بأنه فعل هذا أو ذاك؛ لكن الآن, للمرة الأولى منذ أن اجتاح العبرانيون من مصر, سمعوا تلك الكلمات المُذهلة, "قدرة إسرائيل لن يكذب ولن يندم, لأنه ليس إنساناً بحيث يندم". أعلن الإستقرار في التعاطي مع الألوهية. كرر صموئيل ميثاق ملكيصادق مع إبراهيم وأعلن بأن الرب إله إسرائيل كان مصدر كل صدق, واستقرار, وثبات. دائماً نظر العبرانيون إلى إلههم كإنسان, فائق عن الإنسان, كروح مُمَجدة من أصل غير معروف؛ لكن الآن سمعوا بأن روح حوريب من أحد الأوقات مُمجد كإله غير متغير لخالق كمالي. كان صموئيل يساعد المفهوم عن الله المتطور للارتقاء إلى أعالي فوق الحالة المتغيرة لعقول الناس وتقلبات الوجود البشري. تحت تعليمه, كان إله العبرانيين يبدأ الارتقاء من فكرة عن مرتبة الآلهة القبائلية إلى مثال خالق كلي القدرة وغير متغير ومُشرِف على كل الخلق.

97:1.5 ووعظ من جديد قصة إخلاص الله, وموثوقية حفظه للعهد. قال صموئيل: "لن يهجر الرب شعبه". "قد عمِل معنا عهداً أبدياُ مُرَتب في كل الأشياء وأكيد". وهكذا, في كل أنحاء فلسطين, دقت هناك دعوة الرجوع إلى عبادة يهوه السامي. دائماً أعلن هذا المعلم النشيط, "أنت عظيم, أيها الرب الإله, لأنه ليس أحد مثلك, وليس هناك إله سواك".

97:1.6 حتى ذلك الوقت اعتبر العبرانيون فضل يهوه بشكل أساسي من حيث الإزدهار المادي. لقد كانت صدمة كبيرة لإسرائيل, وتقريباً كلفت صموئيل حياته, عندما تجرأ أن يُعلن: "الرب يُغني ويُفقر؛ هو يُخفض ويعَّلي. يقيم الفقير من الغبار ويرفع المتسولين ليضعهم بين الأمراء ليجعلهم ورثة عرش المجد". لم تـُعلن منذ أيام موسى وعود مريحة كتلك من أجل المتواضعين والأقل حظاً, وألوف من اليائسين بين الفقراء بدأوا يأملون بأنهم يمكنهم تحسين أوضاعهم الروحية.

97:1.7 لكن صموئيل لم يتقدم بعيداً جداً ما بعد مفهوم الإله القبائلي. هو أعلن يهوه الذي صنع كل الناس ولكنه كان مشغولاً رئيسياً بالعبرانيين, شعبه المختار. حتى هكذا, كما في أيام موسى, مرة أخرى وصف المفهوم عن الله إله مقدس وصالح. "لا يوجد أحد مقدس مثل الرب. من يُمكن مقارنته بهذا الله الرب المقدس؟"

97:1.8 بمرور السنين, تقدم القائد الهرم الأشيب في تفهم الله, لأنه أعلن: "الرب هو إله معرفة, ويزن الأفعال. سيقاضي الرب نهايات الأرض, مُظهراً رحمة للرُحماء, ومع الرجل المستقيم كذلك سيكون مستقيماً". حتى هنا يكون فجر الرحمة, ولو أنها مقتصرة على من هم رحماء. فيما بعد سار خطوة إضافية عندما, نصح شعبه, في محنتهم: "لنقع الآن في أيدي الرب, لأن رحماته عظيمة". "ليس هناك عائق على الرب في أن يُخلص الكثير أو القليل".

97:1.9 وهذا التطور التدريجي لمفهوم صفة يهوه استمر تحت إشراف خلفاء صموئيل. حاولوا تقديم يهوه كإله حافظ للميثاق إنما بالكاد حافظوا على الوتيرة التي وُضعت بصموئيل؛ فشلوا في تطوير فكرة رحمة الله كما فهمها صموئيل فيما بعد. كان هناك انجراف ثابت رجوعاً تجاه الإعتراف بآلهة أخرى, بالرغم من المحافظة بأن يهوه كان فوق الكل. "لك الملكوت, أيها الرب, وأنت مُمَجد كرأس فوق الكل".

97:1.10 إن الفكرة الأساسية لهذا العهد كانت القدرة الإلهية؛ وعظ الأنبياء من هذا العصر دِيناً مُصممَاً لرعاية الملك على العرش العبراني. "لك, أيها الرب, العظمة والقدرة والمجد والنصر والجلالة. في يديك السُلطة والمقدرة, وأنت قادر لتجعل العظيم ولتعطي قوة إلى الجميع". وهذا كان وضع المفهوم عن الله في أثناء زمن صموئيل وخلفائه المباشرين.

2. إيليا وإليشع

97:2.1 في القرن العاشر قبل المسيح أصبحت أمة العبرانيين منقسمة إلى مملكتين. في كلا هذين القسمين السياسيين سعى معلمو حقيقة كثيرون لوقف المد الرجعي من الإنحلال الروحي الذي حل, واستمر كارثياً بعد حرب الإنفصال. لكن تلك الجهود لتقدم الدِين العبراني لم تـُغنى حتى بدأ ذلك المحارب من أجل البِر الحازم والعديم الخوف, إيليا, تعليمه. استعاد إيليا إلى المملكة الشمالية مفهوماً عن الله يُقارن مع ما تـُمسك به في أيام صموئيل, كانت لدى إيليا فرصة قليلة لتقديم مفهوم متقدم عن الله؛ هو أُبقي مشغولاً, كما كان صموئيل قبله, يقلب مذابح بعل ويدمر أصنام الآلهة المزورة. وحمل قُدُماً إصلاحاته في وجه معارضة عرش عابدي أصنام؛ كانت مهمته حتى أكثر ضخامة وصعوبة من تلك التي واجهها صموئيل.

97:2.2 عندما تم استدعاء إيليا بعيداً, أخذ عمله إليشع, شريكه المخـْلص, ومع مساعدة لا تُقـَّيم من ميخيا المعروف قليلاً, حُفظ نور الحقيقة حياً في فلسطين.

97:2.3 لكن تلك لم تكن أوقات تقدم في المفهوم عن الإله. لم يكن العبرانيون قد ارتقوا بعد حتى إلى المثال الموسوي. أُقفل عهد إيليا وإليشع بالفئات الأفضل عائدة إلى عبادة يهوه السامي وشهد إحياء الفكرة عن الخالق الشامل إلى ذلك المكان تقريباً حيث كان تركها صموئيل.

3. يهوه والبعل

97:3.1 إن الجدل لفترة طويلة بين المؤمنين بيهوه وأتباع بعل, كان صدام مفاهيم اجتماعية-اقتصادية عِوضاً عن اختلاف في معتقدات دينية.

97:3.2 اختلف سكان فلسطين في موقفهم تجاه المُلكية الخاصة للأرض. تطلع أهالي الجنوب أو القبائل العربية الرُحل أتباع يهوه على الأرض كمُلكية ـ غير ممكن نقلها ـ كعطية من الإله إلى العشيرة. تمسكوا بأن الأرض لا يمكن بيعها أو رهنها. "تكلم يهوه, قائلاً, ’ يجب ألا تـُباع الأرض, لأن الأرض لي‘".

97:3.3 الشماليون أو الكنعانيون الأكثر استقراراً (أتباع بعل) اشتروا وباعوا بحرية, ورهنوا أراضيهم. الكلمة بعل تعني مالك. كان طقس بعل متأسساً على مذهبين رئيسيين: أولاً, فاعلية تبادل المُلكية, الإتفاقات والعهود ـ الحق لشراء وبيع أرض. ثانياً, كان بعل مُفترَضاً أن يُرسل مطراً ـ كان إله خصب التربة. توقفت المحاصيل الجيدة على حظوة بعل. كان الطقس مهتماً على العموم بالأرض, وملكيتها, وخصبها.

97:3.4 على العموم, ملكَ البعليون بيوت, وأراضي, وعبيد. كانوا أصحاب أملاك أرستقراطيين وعاشوا في المدن. كان كل بعل لديه مكانه المقدس, وكهنته, و "النساء المقدسات", مومسات الشعيرة.

97:3.5 من هذا الفرق الأساسي في الإعتبار للأرض, تطورت هناك خصومة مُرة ذات مواقف اجتماعية, واقتصادية, وأخلاقية, ودينية, عُرِضت بالكنعانيين والعبرانيين. هذا النزاع الإجتماعي-الإقتصادي لم يصبح قضية دينية محددة حتى أوقات إيليا. من أيام هذا النبي المكافح حوربت القضية على خطوط دينية أكثر تحديداً ـ يهوه ضد بعل ـ وانتهت بانتصار يهوه والدفع اللاحق تجاه التوحيد.

97:3.6 غيَّر إيليا نزاع يهوه-بعل من قضية أرض إلى الجانب الديني لمفاهيم الكنعانيين والعبرانيين. عندما قتل أخاب النابوتيين في مكيدة ليملك أرضهم, جعل إيليا قضية أخلاقية من أعراف الأرض القديمة وشرع في حملته العنيفة ضد البعليين. هذا كان كذلك قتال قوم الريف ضد سيطرة المدن. لقد كان رئيسياً تحت إيليا حينما يهوه أصبح إلوهيم. بدأ النبي كمُصلح مختص بالأراضي وانتهى بتمجيد الإله. كان البعليون كُثُر, كان يهوه واحداً ـ فاز التوحيد على الشرك.

4. عاموس وهوشع

97:4.1 خطوة عظيمة في انتقال الإله القبائلي ـ الإله الذي خـُدم طويلاً بتضحيات ورسميات, يهوه العبرانيين الأبكر ـ إلى إله الذي يُعاقب الجريمة وعدم الأخلاق حتى بين شعبه الخاص, اُتخذ هذا الموقف بواسطة عاموس, الذي ظهر من بين التلال الجنوبية ليشجب الإجرام, والسُكر, والظلم, وعدم الأخلاق في القبائل الشمالية. ليس منذ أوقات موسى أُعلنت حقائق رنانة كتلك في فلسطين.

97:4.2 لم يكن عاموس مُجرد مُجدد ومُصلح؛ كان مُكتشفاً لمفاهيم جديدة عن الإله. أعلن الكثير عن الله مما قد أُعلن بأسلافه وهاجم بشجاعة المعتقد في كائن إلهي يؤيد الخطيئة بين المدعوين شعبه المختار. للمرة الأولى منذ أيام ملكيصادق سمعت أذني الإنسان استنكار المقياس المزدوج للعدل القومي والأخلاق. لأول مرة في تاريخهم سمعت آذان العبرانيين بأن إلههم الخاص, يهوه, لن يتحمل جريمة وخطيئة في معيشتهم أكثر من بين أي شعب آخر. تصَّور عاموس إله صموئيل وإيليا الصارم والعادل, لكنه كذلك رأى إلهاً الذي لم يفكر باختلاف عن العبرانيين أكثر من أي أمة أخرى عندما يصل الأمر إلى معاقبة مخالفة. هذا كان هجوماً مُباشراً على العقيدة الأنانية "للشعب المختار", وامتعض منه عبرانيون كثيرون بمرارة في تلك الأيام.

97:4.3 قال عاموس: "الذي شـَّكل الجبال وخلق الريح, اطلبه الذي شـَّكل النجوم السبعة والجوزاء, الذي يقلب ظل الموت نحو الصباح ويجعل النهار مظلماً كالليل". وفي استنكاره زملاءه النصف متدينين, وخادمي الوقت, وأحياناً الغير أخلاقيين, سعى لتصوير العدالة التي لا ترحم ليهوه لا يتغير عندما قال عن فاعلي الشر: "ولو حفروا نحو الجحيم, من هناك سآخذهم؛ ولو تسلقوا إلى السماء من هناك سأنزلهم". "ولو ذهبوا نحو الأسر أمام أعدائهم, من هناك سأوجه سيف العدل, وسيذبحهم". أذهل عاموس سامعيه إضافياً عندما, مشيراً إليهم بإصبع زاجر ومتـَّهم, أعلن بإسم يهوه: "بالتأكيد لن أنسى أي من أعمالكم". "وسأغربل بيت إسرائيل من بين كل الأمم مثلما يُغربل القمح في الغربال".

97:4.4 أعلن عاموس يهوه "إله كل الأمم" وحذر الإسرائيليين بأن الشعيرة يجب ألا تأخذ مكان البِر. وقبل أن يُرجم هذا المعلم الشجاع بالحجارة حتى الموت, كان قد نشر خميرة كافية من الحقيقة ليخلص مذهب يهوه السامي؛ كان قد ضمن التطور لوَحِي ملكيصادق.

97:4.5 تبع هوشع عاموس ومذهبه عن إله عدل كوني بإحياء المفهوم الموسوي عن الله المحبة. وعظ هوشع غفراناً من خلال التوبة, وليس بالتضحية. أعلن إنجيلاً ذا محبة عطوفة ورحمة إلهية قائلاً: "سأخطبكم إلى الأبد؛ نعم, سأخطبكم لي في بِر وحُكم وفي محبة عطوفة وفي رحمات. حتى سأخطبكم لي في إخلاص". سأحبهم بحرية, لأن غضبي قد صُرف عنهم".

97:4.6 واصل هوشع بإخلاص تحذيرات عاموس الأخلاقية, قائلاً عن الله, "إنها رغبتي بأن أُعاقبهم". لكن الإسرائيليين اعتبروها كقسوة تُقارب الخيانة عندما قال: "سأقول إلى هؤلاء الذين لم يكونوا شعبي, ’أنتم شعبي‘ وسيقولون ’أنت إلهنا‘". استمرَ في وعظ توبة وغفران, قائلاً, "سأشفي ارتدادهم؛ سأحبهم بحرية, لأن غضبي قد تحول بعيداً". دائماً أعلن هوشع أمل وغفران. كان عبئ رسالته دائماً: "سأرحم شعبي. لن يعرفوا إله سواي, لأنه ليس هناك مخـَّلص سواي".

97:4.7 سرَّع عاموس ضمير العبرانيين القومي إلى التعرف بأن يهوه لن يسامح الجريمة والخطيئة بينهم لأنهم كانوا بافتراض الشعب المختار, بينما ضرب هوشع النوتات الإفتتاحية في الأوتار الرحيمة فيما بعد لحنوٍ إلهي ومحبة عطوفة التي غنّاها بروعة إشعياء ورفقائه.

5. إشعياء الأول

97:5.1 تلك كانت الأوقات عندما كان البعض يُعلن تهديدات قصاص ضد خطايا شخصية وجريمة قومية بين العشائر الشمالية بينما تنبأ آخرون بكارثة في عقاب تجاوزات المملكة الجنوبية. لقد كان في يقظة هذه الإثارة للوعي والضمير في الأمم العبرانية حينما جعل إشعياء الأول ظهوره.

97:5.2 واصل إشعياء وعظ طبيعة الله الأبدية, وحكمته اللانهائية, وكمال موثوقيته الغير متغيرة. هو مثـَّل إله إسرائيل بقوله: "القضاء كذلك سأضعه على الخيط والصلاح على رصاص الصنارة". "سيعطيكم الرب راحة من حزنكم ومن خوفكم ومن عبوديتكم القاسية حيثما الإنسان قد صُنع ليخدم". "وستسمع آذانكم كلمة وراءكم, قائلة, ’هذه هي الطريق, امشوا فيها‘". "هاهو الله خلاصي؛ سأثق ولن أخاف, لأن الرب قوتي وأغنيتي". "تعالوا الآن ودعونا نفكر سوياً, يقول الرب, ’ولو أن خطاياكم حمراء كما القرمزي, ستكون بيضاء كالثلج؛ رغم كونها حمراء مثل القرمز, سوف تكون مثل الصوف‘".

97:5.3 متكلم إلى العبرانيين الجائعين في النفـْس والمتملك فيهم الخوف, قال هذا النبي: "قم واسطع, لأن النور قد أتى, ومجد الرب قد قام فوقكم". "روح الرب علي لأنه مسحني لكي أعظ البشائر الصالحة إلى الودعاء؛ أرسلني لأعصب منكسري القلب, لأعلن حرية إلى الأسرى وأفتح السجن إلى المقيدين". "سأفرح كثيراً في الرب, ستكون نفسي مسرورة بإلهي, لأنه ألبسني كِساء الخلاص وغطاني بردائه من البِر". "في كل أحزانهم كان حزيناً , وملاك حضوره نجاهُم. في محبته وفي شفقته فداهم."

97:5.4 تـُبع هذا الإشعياء بميخا وعوبيديا, اللذان أثبتا وزخرفا إنجيله المُرضي للنفـْس. وهذان المرسلان الشجاعان استنكرا بجسارة شعيرة العبرانيين التي تعاني من الكاهن وهاجما بلا خوف كل نظام التضحية.

97:5.5 استنكر ميخا "الحكام الذين يحكمون من أجل ثواب والكهنة الذين يُعَّلمون من أجل أجرة والأنبياء الذين يتألهون من أجل مال". علـَّم عن يوم تحرر من الخزعبلات والكهنوت, قائلاً: "لكن سيجلس كل إنسان تحت كرمته, ولا أحد سيجعله خائفاً, لأن كل الشعب سيحيا, كل واحد حسب فهمه لله".

97:5.6 دائماً كان عبئ رسالة ميخا: "هل آتي أمام الرب بقرابين محروقة؟ أيُسر الرب بألف خروف أو بعشرة آلاف نهر من الزيت؟ هل أعطي بِكري من أجل تعدياتي, وثمار جسدي من أجل خطيئة نفـْسي؟ هو قد أراني, أيها الإنسان, ما هو الصالح؛ وماذا يتطلب منك الرب سوى أن تصنع العدل وتحب الرحمة وتسلك بتواضع مع إلهك". ولقد كان عصر عظيم؛ كانت تلك في الحقيقة أوقات مثيرة عندما سمع الإنسان البشري, وبعض حتى آمن, بتلك الرسائل المحرِرة منذ أكثر من ألفين وخمسمائة سنة. ولولا مقاومة الكهنة العنيدة, لكان أولئك المعلمون قد أطاحوا بكل الرسميات الدموية من شعيرة عبادة العبرانيين.

6. إرميا العديم الخوف

97:6.1 بينما استمر عدة معلمون في شرح إنجيل إشعياء, بقي على إرميا أن يأخذ الخطوة الجريئة التالية في تدويل يهوه, إله العبرانيين.

97:6.2 أعلن إرميا بدون خوف بأن يهوه لم يكن إلى جانب العبرانيين في كفاحهم العسكري ضد أمم أخرى. أصَّرَ بأن يهوه هو إله كل الأرض, وكل الأمم, وجميع الشعوب. كان تعليم إرميا علامة التصعيد للموجة المتزايدة لتدويل إله إسرائيل؛ أخيراً وإلى الأبد أعلن هذا الواعظ الباسل بأن يهوه كان إله كل الأمم, وبأنه لم يكن هناك أوزيريس من أجل المصريين, أو بـِل من أجل البابليين, أو أشور من أجل الأشوريين, أو داجون من أجل الفلسطينيين. وبهذا شارك دِين العبرانيين في تلك النهضة التوحيدية في كل أنحاء العالَم حوالي وتالي هذا الوقت؛ أخيراً ارتقى المفهوم عن يهوه إلى مستوى إله كوكبي وحتى كرامة فلكية. لكن كثيرين من زملاء إرميا وجدوا من الصعب أن يفهموا يهوه على حدة من الأمة العبرانية.

97:6.3 وعظ إرميا أيضاً عن الله العادل والمحب الموصوف بإشعياء, معلناً: "نعم, لقد أحببتكم بمحبة أزلية؛ لذلك بمحبة عطوفة سحبتكم. لأنه لا يبتلي عن طيب خاطر بني البشر".

97:6.4 هذا النبي الشجاع قال: "بار ربنا, عظيم في الشورى وقدير في العمل. عيونه مفتوحة على كل طرق أبناء الناس, ليعطي كل واحد حسب طرقه وحسب ثمار أفعاله". لكن اعتبرت خيانة تجديفية عندما, في أثناء حصار أورشليم, قال: "والآن قد أعطيت هذه الأراضي إلى يد نبوخذنصر, ملك بابل, خادمي". وعندما نصح إرميا بتسليم المدينة, ألقاه الكهنة والحكام المدنيون في حفرة موحلة في سجن مُظلم مُوحش.

7. أشعياء الثاني

97:7.1 إن خراب الأمة العبرانية وسبيهم في بلاد ما بين النهرين كان ليبرهن عن منفعة عظيمة للاهوتهم المنتشر لو لم يكن لعمل كهنتهم المعقود العزم. سقطت أمتهم أمام الجيوش البابلية, وكابد يهوه قوميتهم من التباشير الدولية للقادة الروحانيين. لقد كان الإستياء من خسارة إلههم القومي الذي قاد كهنة اليهود للذهاب إلى تلك الأطوال في اختراع الأساطير والتكثير من حوادث الظواهر العجائبية في تاريخ العبرانيين في جهد لاسترجاع اليهود كشعب مُختار حتى للفكرة الجديدة والمتوسعة عن إله دولي لكل الأمم

97:7.2 كان اليهود في أثناء الأسر, متأثرين جداً بالتقاليد والأساطير البابلية, على أنه ينبغي ملاحظة أنهم حسَّنوا بلا فشل اللهجة الأخلاقية والمغزى الروحي للقصص الكلدانية التي تبنوها, بالرغم من أنهم شوهوا بثبات تلك الأساطير لتعكس شرفاً ومجداً على أصل وتاريخ إسرائيل.

97:7.3 كانت لدى أولئك الكهنة والكتبة العبرانيون فكرة واحدة في عقولهم, وتلك كانت إعادة الإعتبار للأمة اليهودية, وتمجيد التقاليد العبرانية, ورفع تاريخهم العنصري. إن كان هناك استياء من الواقع بأن أولئك الكهنة قد ثبتوا أفكارهم المغلوطة على مثل هذا الجزء الكبير من العالَم الغربي, يجب التذكر بأنهم لم يفعلوا هذا عن قصد؛ بأنهم لم يدَّعوا بأنهم يكتبون بإلهام؛ ولم يعلنوا بأنهم يكتبون كتاب مقدس. كانوا مُجرد يهيئون كتاب تدريس مصمم لدعم الشجاعة المتضائلة لزملائهم في السبي. كانوا بالتحديد يقصدون تحسين الروح القومية والمعنويات لمعاصريهم. لقد بقي للناس فيما بعد أن يجمعوا تلك الكتابات وغيرها في كتاب مُرشد لتعاليم مُفترَض أنها معصومة عن الخطأ.

97:7.4 قام كهنوت اليهود باستخدام تحرري لتلك الكتابات لاحقاً إلى السبي, لكنهم أُعيقوا بشكل كبير في تأثيرهم على زملائهم الأسرى بحضور نبي صغير ولا يُقهَر, إشعياء الثاني, الذي كان مهتدياً بشكل كامل إلى الله العدل, والمحبة, والبِر, والرحمة لإشعياء الأقدم. كذلك آمن مع إرميا بأن يهوه أصبح إله كل الأمم. هو وعظ تلك النظريات عن طبيعة الله بإخبار مؤثر بحيث عمل مهتدين بالتساوي بين اليهود وآسريهم. وهذا الواعظ الصغير ترك تعاليمه على السجل, التي سعى الكهنة العدائيين والغير متسامحين لطلاقها من كل ارتباط معه, على أن الإحترام الكبير لجمالها وعظمتها أدى إلى إدماجها بين كتابات إشعياء الأبكر. وبالتالي يمكن العثور على كتابات أشعياء الثاني هذا في الكتاب بهذا الإسم, محتضنة الإصحاح الأربعين إلى الخامس والخمسين شاملة.

97:7.5 لا نبي ولا معلم ديني منذ زمن ماﻜﻴﭭِنتا إلى زمن يسوع نال المفهوم العالي عن الله الذي أعلنه أشعياء الثاني في أثناء تلك الأيام من السبي. لم يكن إلهاً مجسماً صغيراً مصنوعاً بالإنسان الذي أعلنه ذلك القائد الروحي. "انظر هو يحتل الجُزر كشيء قليل جداً". "وكما السماوات أعلى من الأرض, هكذا طرقي أعلى من طرقكم وأفكاري أعلى من أفكاركم".

97:7.6 أخيراً شاهد ماﻜﻴﭭِنتا ملكيصادق معلمين إنسانيين يعلنون إلهاُ حقيقياً إلى الإنسان البشري. مثل إشعياء الأول, هذا القائد وعظ إله خلق شامل وداعم. "أنا صنعت الأرض ووضعت الإنسان عليها. لم أخلقها في باطل؛ شكَّلتها لتكون مسكونة". "أنا الأول والآخِر؛ ليس هناك إله سواي". متكلماً من أجل الرب إله إسرائيل, قال هذا النبي الجديد: "السماوات قد تتلاشى والأرض تتشمع في السِن لكن بِري سيدوم إلى الأبد وخلاصي من جيل إلى جيل"."لا تخافوا لأني معكم؛ لا تيأسوا, لأني إلهكم". "ليس هناك إله سواي ـ إله عادل ومنقذ".

97:7.7 وقد واسى الأسرى اليهود كما واسى ألوف فوق ألوف منذ ذلك الحين, أن يسمعوا هكذا كلمات مثل: "هكذا يقول الرب, ’أنا خلقتكم, أنا فديتكم, أنا دعوتكم بأسمائكم؛ أنتم لي". "عندما تعبرون خلال المياه, سأكون معكم حيث إنكم ثمينين في نظري". "أتقدر المرأة أن تنسى ولدها الرضيع بحيث لا تكون لديها شفقة على ابنها؟ نعم, قد تنسى, لكنني لن أنسى أولادي, فها أنا قد نقشتهم على راحة يداي؛ أنا حتى غطيتهم بظل يداي". "فليهجر الشرير طرقه والإنسان الآثِم أفكاره, وليعود إلى الرب, وسيكون لديه رحمة عليه, وإلى إلهنا, لأنه سيغفر بوفرة".

97:7.8 استمع مُجدداً إلى إنجيل هذا الوحي الجديد عن إله شاليم: "سيطعم قطعانه مثل راعي؛ سيجمع الخراف في ذراعيه ويحملهم في حضنه. هو يعطي قدرة إلى الضعيف, وإلى مَن ليس لديهم مقدرة سيزيدهم عزم. هؤلاء المنتظرون الرب سيجدد قوتهم؛ سيتصاعدون مع أجنحة مثل النسور؛ سيركضون ولن يتعبوا؛ سيمشون ولا يضعفوا".

97:7.9 أدار هذا الإشعياء دعاية واسعة الإنتشار لإنجيل ذا مفهوم موَّسع عن يهوه سامي. بارى موسى في البلاغة التي وصف فيها الرب إله إسرائيل كالخالق الشامل. كان شاعرياً في وصفه السجايا اللانهائية للأب الشامل. لا تصريحات أكثر جمالاً عن الأب الشامل قد جُعلت أبداً. مثل المزامير, كتابات أشعياء هي من بين العروض الأكثر سمواً وصدقاً للمفهوم الروحي عن الله لتحيي آذان الإنسان البشري قبل وصول ميخائيل على يورانشيا. استمع إلى وصفه الإله: "أنا العالي والرفيع الذي يسكن الأبدية". "أنا الأول والأخير ولا يوجد إله آخر سواي". "وليست يد الرب قصيرة بحيث لا تقدر أن تخـَّلص, ولا إذنه ثقيلة بحيث لا تقدر السمع". ولقد كان مذهب جديد في اليهودية عندما ثابر هذا النبي الحميد إنما القيادي في وعظ الثبات الإلهي, إخلاص الله. هو أعلن بأن "الله لن ينسى, ولن يتخلى.

97:7.10 أعلن هذا المعلم الجريء بأن الإنسان كان ذو صلة قريبة جداً إلى الله, قائلاً: "كل واحد يُدعى باسمي خلقته لمجدي, وسيُظهروا حمدي. أنا, حتى أنا, الذي يمحو تعدياتهم من أجلي, ولن أتذكر خطاياهم".

97:7.11 اسمع هذا العبراني العظيم يدمر المفهوم عن الله القومي بينما يُعلن في مجد ألوهية الأب الشامل, الذي عنه قال, "السماوات عرشي, والأرض موطئ قدمي". ومع ذلك كان إله إشعياء قُدوس, مهيب, عادل, وخفي. كان قد اختفى تقريباً المفهوم عن يهوه بدو الصحراء الغاضب, والمُنتقم, والغيور. ظهر مفهوم جديد ليهوه السامي والشامل في عقل الإنسان البشري, ليس ليضيع للرؤية الإنسانية أبداً. بدأ إدراك العدل الإلهي بتدمير السحر البدائي والخوف البيولوجي. أخيراً, قـُدم الإنسان إلى كون ذا قانون ونظام وإلى إله شامل يُعتمد عليه وذو سجايا نهائية.

97:7.12 وهذا الواعظ عن إله سماوي لم يتوقف عن إعلان هذا الله المحبة. "أنا أسكن في المكان المقدس والعالي, كذلك معه من هو منسحق القلب ومتواضع الروح". وكلمات مواسية أبعد من ذلك قالها هذا المعلم العظيم إلى معاصريه: "وسيرشدكم الرب باستمرار ويُرضي نفوسكم. ستكونون مثل حديقة مروية ومثل ينبوع لا تنضب مياهه. وإذا دخل عدوك مثل طوفان, سوف ترفع روح الرب دفاعا ضده". ومرة أخرى أضاء قُدُماً إنجيل ملكيصادق المدمر للخوف ودِين شاليم الموَّلد للثقة من أجل مباركة جنس الإنسان.

97:7.13 إشعياء الشجاع والبعيد النظر خسف بفعالية يهوه القومي بتصويره الرفيع لجلال وكلية القدرة العالمية ليهوه السامي. الله المحبة, وحاكم الكون, والأب العطوف لكل جنس الإنسان. منذ تلك الأيام الزاخرة بالحوادث أعلى مفهوم عن الله في الغرب ضم عدل شامل, ورحمة إلهية, وبِر أبدي. في لغة رائعة وبكياسةٍ لا تـُضاهى وصف هذا المعلم العظيم الخالق الكلي القدرة كأب كلي المحبة.

97:7.14 هذا النبي من السبي وعظ إلى شعبه وإلى أولئك من أمم كثيرة عندما استمعوا بجانب النهر في بابل. وإشعياء الثاني هذا فعل الكثير لإبطال المفاهيم العنصرية الأنانية والخاطئة الكثيرة عن مهمة المسيح الموعود. لكن في هذا الجهد لم يكن ناجحاً كلياً. لو لم يكرس الكهنة ذاتهم للعمل على بناء قومية مُساء فهمها, كانت تعاليم الإشعيائيين قد هيأت الطريق من أجل الإعتراف بالمسيح الموعود واستلامه.

8. تاريخ مقدس وتاريخ وثني

97:8.1 عادة التطلع على سجل تجارب العبرانيين كتاريخ مقدس وعلى تعاملات باقي العالَم كتاريخ وثني مسؤولة عن الكثير من الإرتباك الموجود في العقل الإنساني بالنسبة إلى تفسير التاريخ. وتنشأ هذه الصعوبة لأنه لا يوجد تاريخ مدني لليهود. بعد أن هيأ كهنة السبي البابلي سجلهم الجديد عن تعاطي الله العجائبي المُفترَض مع العبرانيين, تاريخ إسرائيل المقدس كما وُصف في كتاب العهد القديم, هم بعنايةٍ وكلياً أتلفوا السجلات الموجودة عن شؤون العبرانيين ـ كُتب مثل "أفعال ملوك إسرائيل" و "أفعال ملوك يهوذا", سوية مع عدة سجلات أخرى أكثر أو أقل دِقةً للتاريخ العبراني.

97:8.2 من أجل فهم كيف الضغط المُدمر والإكراه الذي لا مفر منه للتاريخ الدنيوي أرهب للغاية أسرى اليهود المحكومين بالغرباء حتى حاولوا إعادة الكتابة التامة وإعادة صياغة تاريخهم, يجب أن نعاين بإيجاز سجل تجربتهم القومية المُحير. يجب التذكر بأن اليهود فشلوا في تطوير فلسفة غير لاهوتية مقبولة للحياة. تصارعوا مع مفهومهم المصري والأساسي عن ثواب إلهي للبِر مزدوج مع قصاصات فظيعة للخطيئة. كانت دراما أيوب نوعاً ما احتجاجاً ضد هذه الفلسفة المغلوطة. كان تشاؤم الإكليروس الصريح ردة فعل حكيمة دُنيوية لهذه المعتقدات المفرطة في التفاؤل في العناية الإلهية.

97:8.3 لكن خمسمائة سنة من سيادة الحكام الغرباء كانت كثيرة جداً حتى لليهود الصبورين وطويلي الأناة. بدأ الأنبياء والكهنة في الصراخ: "إلى متى, أيها الرب, إلى متى؟" عندما بحث اليهودي الأمين في الكتابات المقدسة, أصبح ارتباكه أسوأ حيرة. وعدَ رائي قديم بأن الله سيحمي ويخلص "شعبه المختار". كان قد حذر عاموس بأن الله سيتخلى عن إسرائيل إلا إذا أعادوا تأسيس مقاييسهم من البِر القومي. وكان الكاتب من سفر التثنية قد صور الإختيار العظيم ـ مثل ما بين الخير والشر, البركة واللعنة. وعظ إشعياء الأول ملك مُخلص كريم. أعلن إرميا عهد بِر داخلي ـ الميثاق المكتوب على ألواح القلب. تكلم إشعياء الثاني عن خلاص بتضحية وفداء. أعلن حزقيال خلاصاً من خلال خدمة مكرسة, ووعد عزرا ازدهاراً بالتمسك إلى الشريعة. لكن بالرغم من كل هذا توانوا في العبودية, وكان الخلاص مؤجلاً. بعدئذٍ قـَّدم دانيال دراما "الأزمة" الوشيكة--قرع الصورة العظيمة والتأسيس الفوري لحكم بِر أبدي, ملكوت المسيح.

97:8.4 وكل هذا الأمل الزائف أدّى إلى تلك الدرجة من خيبة الأمل العنصري والإحباط بحيث كان قادة اليهود مرتبكين جداً بحيث فشلوا في التعرف على وقبول المهمة والوزارة لإبن الفردوس المقدس عندما أتى حاضراً إليهم في شبه جسد بشري ـ متجسداً كابن الإنسان.

97:8.5 كل الأديان الحديثة أخطأت بفداحة في المحاولة لوضع تفسير عجائبي على حقب معينة في التاريخ الإنساني. بينما هو صحيح بأن الله دفع مرات كثيرة يد أبوية في تدخل عناية إلهية نحو مجرى الشؤون الإنسانية, إنه لخطأ اعتبار عقائد لاهوتية وخرافات دينية كترسبات خارقة تظهر بعمل عجائبي في هذا المجرى من التاريخ الإنساني. الواقع بأن "الأعلون يحكمون في ممالك الناس" لا يحَّول التاريخ الدنيوي إلى المدعو تاريخ مقدس.

97:8.6 إن مؤلفي كتاب العهد الجديد في التوراة والكـُّتاب المسيحيين فيما بعد عَّقدوا إضافياً تشويه التاريخ العبراني بمحاولتهم الحسنة النية لإعلاء الأنبياء اليهود. لهذا استـُغل التاريخ العبراني كارثياً بكِلا الكـُّتاب اليهود والمسيحيين. كان تاريخ العبرانيين الدنيوي قد جُزم كعقيدة تماماً. لقد حُول نحو خرافة من تاريخ مقدس وأصبح مرتبطاً بشكل لا ينفصم مع المفاهيم الأخلاقية والتعاليم الدينية للمدعوة أمم مسيحية.

97:8.7 سوف تشرح تلاوة وجيزة للنقاط العالية في التاريخ العبراني كيف تغيرت وقائع السجل في بابل بواسطة الكهنة اليهود بحيث تقلب التاريخ الدنيوي اليومي لشعبهم إلى تاريخ خرافي ومقدس.

9. التاريخ العبراني

97:9.1 لم تكن هناك أبداُ اثنتي عشرة قبيلة من الإسرائيليين ـ فقط ثلاثة أو أربعة قبائل استقرت في فلسطين. جاءت الأمة العبرانية إلى حيز الوجود كنتيجة للوحدة بين المدعوين إسرائيليين والكنعانيين. "وسكن أولاد إسرائيل بين الكنعانيين, واتخذوا بنات الكنعانيين زوجات لهم وأعطوا بناتهم إلى أبناء الكنعانيين". لم يطرد العبرانيين الكنعانيين من فلسطين, بالرغم من أن سجل الكهنة عن تلك الأشياء صرحت بدون تردد بأنهم فعلوا.

97:9.2 أخذ الوعي الإسرائيلي أصلاً في تلال بلاد إفرايم؛ تأصل الوعي اليهودي فيما بعد في عشيرة يهوذا الجنوبية. اليهود (اليهوذيون) دائماً سعوا لتسويد سجل الإسرائيليين الشماليين (الإفراميين).

97:9.3 والتشهير بهم. يبدأ تاريخ العبرانيين المزعوم مع شاوُل يستجمع العشائر الشمالية لمقاومة هجوم بالعمونيين على زملائهم القبائليين ـ الجلعاديين ـ شرقي الأردن. هزم العدو بجيش أكثر بقليل من ثلاثة آلاف, ولقد كانت هذه الغنيمة التي أدّت بقبائل التلال لجعله ملكاً. عندما أعاد الكهنة المنفيون كتابة هذه القصة, زادوا جيش شاوُل إلى 330,000 وأضافوا "يهوذا" إلى لائحة القبائل المساهمة في المعركة.

97:9.4 مباشرة بعد هزيمة العمونيين, جُعل شاوُل ملكاً بانتخاب شعبي من جنوده. لا كاهن ولا نبي اشترك بهذا الشأن. لكن الكهنة فيما بعد وضعوا في السجل بأن شاوُل قد توج ملكاً بالنبي صموئيل وِفقاً لتوجيهات إلهية. هذا فعلوه من أجل تأسيس "خط نسب إلهي" من أجل مَلكية داود اليهوذية.

97:9.5 الأعظم من كل مشوهات التاريخ اليهودي كانت تتعلق بداود. بعد انتصار شاوُل على العمونيين الذي عزاه إلى يهوه ارتعب الفلسطينيون وبدأوا هجومهم على العشائر الشمالية. داود وشاوُل لم يمكنهما الاتفاق أبداً. دخل داود مع ستمائة رجل في حلف فلسطيني وسار صعوداً على الشاطئ إلى إسدراليون. عند جت أمرَ الفلسطينيون داود خارج الميدان؛ خافوا بأنه قد ينضم إلى شاوُل. ارتد داود؛ هاجم الفلسطينيون وهزموا شاوُل. ما كان يمكنهم فعل هذا لو كان داود موالياً لإسرائيل. كان جيش داود خليطاً متعدد الألسن من ساخطين, كائنين في الجزء الأكبر من غير الأسوياء إجتماعياً والهاربين من العدالة.

97:9.6 إن هزيمة شاوُل المُفجعة عند جلبوع على يد الفلسطينيين أحضرت يهوه إلى نقطة منخفضة بين الآلهة في عيون الكنعانيين المحيطين. عادة قد تـُعزى هزيمة شاوُل إلى الردة عن يهوه, لكن هذه المرة عزاها المؤلفون اليهوذيون إلى أخطاء في الشعيرة. تطلبوا تقاليد شاوُل وصموئيل كخلفية من أجل مَلكية داود.

97:9.7 جعل داود مع جيشه الصغير مركز إدارته عند مدينة حبرون الغير عبرانية. في الحاضر أعلنه معاصروه ملكاً لمملكة يهوذا الجديدة. كانت يهوذا مؤلفة على الأغلب من عناصر غير عبرانية ـ قينيين, وكالبيين, ويبوسيين, وكنعانيين آخرين. كانوا ـ رُعاة رُحل ـ وهكذا مكرسين إلى الفكرة العبرانية عن ملكية الأرض. تمسكوا بمفاهيم عشائر الصحراء.

97:9.8 الفرق بين التاريخ المقدس والتاريخ الوثني موضح جيداً بالقصتين المختلفتين بما يخص جعل داود ملكاً كما وجدت في كتاب العهد القديم. جزء من التاريخ الدنيوي عن كيف جعله أتباعه المباشرين (جيشه) ملكاً تـُرك سهواً في السجل بواسطة الكهنة الذين هيأوا لاحقاً التقرير المطول والركيك عن التاريخ المقدس الموصوف فيه كيف النبي صموئيل, بتوجيه إلهي, اختار داود من بين إخوته وباشر رسمياً وباحتفالات دقيقة ومهيبة لمسحه ملكاً على العبرانيين وبعدئذٍ أعلنه خليفة لشاوُل.

97:9.9 هكذا فعل الكهنة مرات كثيرة, بعد تحضيرهم رواياتهم الخرافية عن تعاملات الله العجائبية مع إسرائيل, فشلوا كلياً في حذف تصريحات الأمر الواقع والعادية التي استراحت سابقاً في السجلات.

97:9.10 سعى داود لبناء ذاته سياسياً أولاً بزواج ابنة شاوُل, وبعدها بزواج أرملة نابال الأدومي الغني, وبعد ذلك ابنة تلماي, ملك جاشور. اتخذ ست زوجات من نساء يبوس, بدون ذِكر بثشبع, زوجة الحتي.

97:9.11 ولقد كان بهكذا أساليب ومن هكذا شعوب حيث بنى داود خرافة مملكة يهوذا الإلهية كخليفة لتراث وتقاليد المملكة الشمالية المنقرضة لإسرائيل الإفرايمية. كانت قبيلة داود العالمية ليهوذا أممية أكثر مما كانت يهودية؛ مع ذلك نزل شيوخ إفرايم المضطهدين و"مسحوه ملكاً على إسرائيل". بعد تهديد عسكري, أقام داود معاهدة مع اليبوسيين وأسس عاصمته للمملكة المتحدة عند يبوس ( أورشليم ), التي كانت مدينة ذات أسوار قوية في منتصف الطريق بين يهوذا وإسرائيل. أُثير الفلسطينيون وسرعان ما هاجموا داود. بعد معركة ضارية انهزموا, ومرة أخرى تأسس يهوه "كالرب إله الجيوش".

97:9.12 لكن يهوه يجب, قهراً, أن يتقاسم بعض هذا المجد مع آلهة الكنعانيين لأن الجزء الأكبر من جيش داود كان غير عبراني. وهكذا يظهر في سجلكم ( أُغفل من قبل المؤلفين اليهوذيين ) هذا التصريح الواشي: "كسر يهوه أعدائي أمامي. لذلك دعا اسم المكان بعل فراصيم". وفعلوا هذا لأن ثمانين بالمائة من جنود داود كانوا بعليين.

97:9.13 فسَّر داود هزيمة شاوُل عند الجلبوع بالإشارة بأن شاوُل قد هاجم مدينة كنعانية, جبعون, كان لدى شعبها معاهدة سلام مع الإفراميين. بسبب هذا خذله يهوه. حتى في زمن شاوُل, دافع داود عن المدينة الكنعانية قِلاع ضد الفلسطينيين, وبعدها أقام عاصمته في مدينة كنعانية. تمشياً مع سياسة التسوية المتبادلة مع الكنعانيين, سلـَّم داود سبعة من أحفاد شاوُل إلى الجبعونيين ليُشنقوا.

97:9.14 بعد هزيمة الفلسطينيين, كسب داود مُلك "تابوت العهد ليهوه", وأحضره إلى أورشليم, وجعل عبادة يهوه رسمية لمملكته. بعد ذلك وضع جزية ثقيلة على القبائل المجاورة ـ الأدوميين, والموآبيين, والعمونيين, والسوريين.

97:9.15 بدأت آلية داود السياسية الفاسدة بالحصول على حيازة شخصية للأرض في الشمال في مخالفة لأعراف العبرانيين وفي الحاضر كسبت تحكماً على تعريفات القوافل المجموعة سابقاً بالفلسطينيين. وبعدئذٍ أتت سلسلة من الفظائع بلغت ذروتها في قتل أوريا. كانت كل الاستئنافات القضائية يتم الفصل فيها عند أورشليم؛ لم يعد "الشيوخ" قادرين على تطبيق العدالة. لا عجب اندلع التمرد. اليوم, قد يُدعى أبشالوم زعيم الدهماء؛ كانت أمه كنعانية. كان يوجد نصف دزينة من المتنازعين على العرش إلى جانب ابن بثشبع ـ سليمان.

97:9.16 بعد موت داود, نظف سليمان الآلية السياسية من كل التأثيرات الشمالية لكنه استمر بكل طُغيان وضرائب أبيه. أفلس سليمان الأمة ببلاطه المُسرف وبرنامج بنائه المتقن: كان هناك بيت لبنان, وقصر ابنة فرعون, ومعبد يهوه, وقصر الملك, وترميم أسوار مدن كثيرة. خلق سليمان بَحرية عبرانية شاسعة, تُدار بواسطة بحارة سوريين وتتاجر مع كل العالَم. عُد حريمه حوالي الألف.

97:9.17 بحلول ذلك الوقت فُقدت مصداقية معبد الرب في شيلو, وكانت كل عبادة الأمة مركزة عند يبوس في المعبد الملكي الفاخر. عادت المملكة الشمالية أكثر إلى عبادة الإلوهيم. هم تمتعوا بحظوة الفراعنة, الذين استعبدوا يهوذا فيما بعد, واضعين المملكة الجنوبية تحت الجزية.

97:9.18 كان هناك صعود وهبوطـ حروب بين إسرائيل ويهوذا, بعد أربع سنوات من الحرب الأهلية وثلاث سلالات ملكية, وقعت إسرائيل تحت حكم مستبدي المدينة الذي بدأوا بالمتاجرة في الأرض. حتى الملك عمري حاول شراء مقاطعة شمير. لكن النهاية اقتربت على عجل عندما قرر شلمنصر الثالث أن يسيطر على شاطيء البحر الأبيض المتوسط. جَمع الملك أخاب من إفرايم عشر جماعات أخرى وقاوم عند كركر؛ كانت المعركة تعادُل. تم إيقاف الأشورية لكن الحلفاء أُهلِكوا. هذه المعركة الكبيرة ليست حتى مذكورة في كتاب العهد القديم

97:9.19 بدأت مشاكل جديدة عندما حاول الملك أخاب شراء أرض من نابوت. زَّورت زوجته الفينيقية اسم أخاب على أوراق موجهة بأن تـُصادَر أرض نابوت بتُهمة أنه جدف على أسماء "الإلوهيم والملك". أُعدم في الحال هو وأبناؤه. ظهر إيليا المفعم بالحيوية على المسرح مُندداً بأخاب لقتل النابوتيين. بهذا إيليا, واحد من أعظم الأنبياء, بدأ تعليمه كمُدافع عن أعراف الأرض القديمة كما ضد موقف بيع الأرض الذي للبعليم, ضد محاولة المدن للسيطرة على الريف. لكن الإصلاح لم ينجح إلى أن وحد ياهو صاحب ملك الريف قواته مع الزعيم الغجري يهوناداب ليُهلك أنبياء البعل ( وكلاء العقارات ) عند السامره.

97:9.20 ظهرت حياة جديدة عندما خلـَّص يوآش وابنه يربَعام إسرائيل من أعدائها. لكن بهذا الوقت هناك حكمت في السامره عصابة وجاهة نافس نهبها تلك من السلالة الملكية الداوودية من أيام قديمة. مشت الدولة والمؤسسة الدينية يد بيد. محاولة قمع حرية التعبير قادت إيليا, وعاموس, وهوشع ليبدأوا كتاباتهم السرية, وهذه كانت البداية الحقيقية للتوراة اليهودية والمسيحية.

97:9.21 لكن المملكة الشمالية لم تختفي من التاريخ حتى تآمر ملك إسرائيل مع ملك مصر ورفض دفع جزية إضافية لأشور. عند ذاك بدأ حصار ثلاث سنوات تـُبع بتشتت كلي للمملكة الشمالية. بهذا اختفت إفرايم (إسرائيل). كانت يهوذا ـ اليهود, "بقايا إسرائيل" ـ قد بدأت تركيز الأرض في أيادي القِلة, كما قال إشعياء, "مُضيفون منزل إلى منزل وحقل إلى حقل". في الحاضر كان هناك في أورشليم معبد لِبعل إلى جانب معبد يهوه. انتهى حكم الإرهاب هذا بثورة توحيدية قادها الملك الصبي يوآش, الذي حارب في سبيل يهوه لخمس وثلاثين سنة.

97:9.22 كانت لدى الملك التالي, أمصيا, مشاكل مع دافعي الضرائب الأدوميين الثائرين وجيرانهم. بعد انتصار بارز التفت لِيهاجم جيرانه الشماليين وبالضبط انهزم بشكل بارز. عندئذٍ ثار سُكان الريف؛ اغتالوا الملك ووضعوا ابنه البالغ ست عشرة سنة من العمر على العرش. هذا كان أزاريا, المدعو أوصيا بإشعياء. بعد أوصيا, سارت الأشياء من سيئ إلى أسوأ, وتواجدت يهوذا لمائة سنة بدفع جزية إلى ملوك أشور. أخبرهم إشعياء الأول بأن أورشليم, كائنة مدينة يهوه, لن تسقط. لكن إرميا لم يتردد في إعلان سقوطها.

97:9.23 كان الخراب الحقيقي ليهوذا متأثراً بحلقة غنية وفاسدة من السياسيين عاملين تحت حكم الملك الصبي, منسى. دعم الإقتصاد المتغير عودة عبادة بعل, الذي كان تعاطيه الخاص في الأرض ضد مذهب يهوه. جلب سقوط أشور وصعود مصر خلاصاً إلى يهوذا لوقت, وحكمت جماعة الريف. تحت يوصيا دمروا حلقة أورشليم من السياسيين الفاسدين.

97:9.24 لكن هذا العهد وصل إلى نهاية مفجعة عندما قدر يوصيا الخروج لاعتراض جيش نحشو العظيم حينما تحرك على طول الشاطئ من مصر لمساعدة أشور ضد بابل. أهلِك, ووقعت يهوذا تحت الجزية لمصر. عاد حزب البعل السياسي إلى الحكم في أورشليم, وبهذا بدأ الاستعباد المصري الحقيقي. بعد ذلك نشأت الفترة التي سيطر فيها سياسيو بعل على كِلا المحاكم والكهنوت. كانت عبادة بعل نظاماً اقتصادياً واجتماعياً متعاطياً بالحقوق الملكية بالإضافة إلى ما يخص خصب التربة.

97:9.25 مع إطاحة نحشو بواسطة نبوخذنصر, وقعت يهوذا تحت حكم بابل وأُعطيت عشر سنوات من المُهلة, لكن سرعان ما تمردت. عندما جاء نبوخذنصر ضدهم, بدأ اليهوذيون بإصلاحات اجتماعية, مثل إخلاء سبيل العبيد للتأثير على يهوه. عندما انسحب الجيش البابلي مؤقتاً, فرِحَ العبرانيون بأن سحرهم في الإصلاح خلصهم. لقد كان في أثناء هذه الفترة حين أخبرهم إرميا عن الهلاك المحدق, وحاضراً رجع نبوخذنصر.

97:9.26 وهكذا جاءت نهاية يهوذا فجأة. دُمرت المدينة, وسبي الشعب إلى بابل. انتهى صراع يهوه-بعل بالأسر. وصدم الأسر بقايا إسرائيل نحو التوحيد.

97:9.27 في بابل, وصل اليهود إلى الخلاصة بأنهم لا يمكنهم الوجود كفئة صغيرة في فلسطين, لديهم عاداتهم الإجتماعية والإقتصادية الخاصة, وبأنه إذا كانت إيدولجياتهم لتسود, يجب عليهم هداية الأمميين. بهذا نشأ مفهومهم الجديد عن المصير ـ الفكرة بأن اليهود يجب أن يصبحوا الخدام المختارين ليهوه. إن الدِين اليهودي لكتاب العهد القديم حقاً تطور في بابل في أثناء الأسر.

97:9.28 كذلك أخذ مذهب الخلود شكلاً عند بابل. كان اليهود قد ظنوا بأن فكرة الحياة المستقبلية حطت من قدر تفخيم إنجيلهم من العدالة الإجتماعية. الآن للمرة الأولى حل عِلم اللاهوت محل عِلم الإجتماع والإقتصاد. كان الدِين يأخذ شكلاً كنظام من تفكير إنساني ويُدار أكثر وأكثر بحيث يكون منفصلاً عن السياسة, وعِلم الإجتماع, وعِلم الإقتصاد.

97:9.29 وهكذا تفشي الحقيقة عن الشعب اليهودي بأن الكثير مما كان يُعتبَر كتاريخ مقدس تبين ليكون أكثر بقليل من سفر أخبار لتاريخ وثني عادي. كانت اليهودية التربة التي منها نمَت المسيحية, لكن اليهود لم يكونوا شعباً خارقاً.

10. الدِين العبراني

97:10.1 علـَّم قادتهم الإسرائيليين بأنهم شعب مختار, ليس من أجل تساهل خاص واحتكار الحظوة الإلهية, لكن من أجل الخدمة الخاصة لحمل حقيقة الله الواحد إلى كل الأمم. ووعدوا اليهود بأن, إذا هم أتموا هذا المصير, سيصبحون القادة الروحانيين لكل الشعوب, وبأن المسيح الآتي سيحكم فوقهم وفوق كل العالَم كأمير السلام.

97:10.2 عندما تم تحرير اليهود من قِبل الفُرس, عادوا إلى فلسطين فقط ليسقطوا في عبودية شريعة قوانينهم الخاصة الممتطاة بالكهنة, والتضحيات, والشعائر. وكما رفضت العشائر العبرانية القصة المدهشة عن الله المقدمة في خطاب موسى الوداعي من أجل شعائر التضحية والكفارة, كذلك أولئك البقايا من أمة العبرانيين رفضوا المفهوم العظيم من إشعياء الثاني من أجل مباديء, وقوانين, وشعائر كهنوتهم النامي.

97:10.3 إن الأنانية القومية, والإيمان المزيف, في تصور خاطيء لمسيح موعود والعبودية والطغيان المتزايد من الكهنوت أسكت إلى الأبد أصوات القادة الروحيين (باستثناء دانيال, وحزقيال, وحاجي, وملاخي)؛ ومن ذلك اليوم إلى وقت يوحنا المعمدان اختبرت كل إسرائيل تقهقراً روحياً متزايداً. لكن اليهود أبداً لم يخسروا المفهوم عن الأب الشامل؛ حتى إلى القرن العشرين بعد المسيح استمروا في اتباع هذا المفهوم عن الإله.

97:10.4 من موسى إلى يوحنا المعمدان امتد هناك خط غير منقطع من معلمين مخلصين سلـَّموا مشعل النور التوحيدي من جيل إلى آخر بينما انتهروا بدون توقف الحكام المجردين من المباديء, وشجبوا الكهنة المتاجرين, ودائماً حضوا الشعب على التمسك بعبادة يهوه السامي, الرب إله إسرائيل.

97:10.5 كأمة, خسر اليهود بالنتيجة هويتهم السياسية, لكن الدِين العبراني ذا الإعتقاد المخـْلص في الله الواحد والشامل لا يزال يعيش في قلوب المنفيين المشتتين. ويبقى حياً هذا الدِين لأنه عمل بفعالية ليحافظ على أعلى القيَّم لأتباعه. صان الدِين اليهودي مُثل الشعب, لكنه فشل في رعاية التقدم وتشجيع الإكتشاف الخلاق الفلسفي في نواحي الحقيقة. كانت لدى الدِين اليهودي أخطاء كثيرة ـ لقد كانت تنقصه الفلسفة وتقريباً خالٍ من الصفات الجماليةـ لكنه حفظ القيَّم الأخلاقية؛ لذلك استمر. يهوه السامي, كما يقارَن مع مفاهيم أخرى عن الإله, كان واضح المعالم, ومُشرق, وشخصي, وأخلاقي.

97:10.6 أحَبَ اليهود العدالة, والحكمة, والحق, والبِر كما فعلت شعوب قليلة, لكنهم ساهموا الأقل من كل الشعوب في الإدراك الفكري والتفهم الروحي لتلك الصفات الإلهية. ومع أن عِلم اللاهوت العبراني رفض أن يتوسع, لقد لعب دوراً هاماً في نشوء دِينين عالميين آخرين, المسيحية والمحمدية.

97:10.7 استمر الدِين اليهودي أيضاً بسبب مؤسساته. إنه من الصعب على دين أن يبقى حياً كممارسة انفرادية لأفراد منعزلين. كان هذا دائماً خطأ القادة الدينيين: ناظرين شرور الدِين المؤسسي, ينشدون تدمير أسلوب العمل الجماعي. بدلاً من تدمير كل الشعيرة, سيفعلون أفضل لإصلاحها. في هذا الإعتبار كان حزقيال أكثر حكمة من معاصريه؛ مع أنه اتحد معهم في الإصرار على مسؤولية أخلاقية شخصية, هو كذلك شرع في تأسيس مراعاة مخلصة لشعيرة فائقة ومطهرة.

97:10.8 وبهذا أنجز معلمو إسرائيل المتتالين أعظم مأثرة في تطور الدِين أبداً لتُنـَّفذ على يورانشيا: التحويل التدريجي إنما المستمر للمفهوم البربري عن يهوه العفريت الهمجي, إله الروح الغيور والقاسي لبركان سيناء المُتفجر, إلى المفهوم الممجد والسماوي فيما بعد ليهوه الأعلى, خالق كل الأشياء والأب المُحب والرحيم لكل جنس الإنسان. وهذا المفهوم العبراني عن الله كان أعلى تصور إنساني عن الأب الشامل حتى ذلك الوقت عندما وسِّع إضافياً وكُّبر بروعة بالتعاليم الشخصية ومثال الحياة لإبنه, ميخائيل نِبادون.

97:10.9 [قـُدِّمت بملكيصادق لنِبادون. ] 15/6/2016





Back to Top